روايات كاملة

أحببت ُمسلمة للكاتبة:نوره صالح جبران

جميع الحقوق محفوظة

هذا الويدجت يتطلب تركيب إضافة Jannah Extinsions، يمكنك تنصيبها من خلال قائمة القالب < تنصيب الإضافات.

أحببتُ مُسلِمَة

 

فتاة بالعمر زهور بالعشرينات، جميلة، ذات القوام الرّفيع، رشيقة الجسد، ذات جمال جذاب، مرتدية تنّورة تغضي منحنيات جسدها، وبلوزة ذات أكمام، وحجاب زهريّ اللّون، ترتشف الشَّاي أمام باب شرفتها،  وهيَ تحدّق في كيفيّة قدرة ربنا بتغيير حلول مساء مسوّد إلى ليل حالك، مجدبة النَّظر إليه من النجوم التي تلمع كالألماس بسمائها، لا يستطيع أي كائن عدم التّعبير بإعجابه، ودهشة ما يراه، و أن يفوته تغيير هذا اللّون من لون إلى لون، حتى يحلّ ظهور الشَّمس مِن مشرقه تتلألأ كزهور دوار الشَّمس التي تستحي من ظهورها في المساء؛ لتتألق في نهارها رويدًا، رويدًا، حتى تكسب ثقتها بنفسها؛ لإظهار قواها للعالم …

 

أمرٌ مريحٌ رؤية إبداعات، وقدرات اللّه من تغيّر الحال إلى حال، كتغير اللّيل إلى نهار جميل حقًا…

وتمتمتْ هامسة:

” أظنُّ أنّني سأشتاق لرؤيتكَ يا وطني الحبيب ”

 

 

لأعرفكم بنفسي إذًا…

[divider style=”solid” top=”20″ bottom=”20″]

الفصل الأول

 

أنا…

أنا أدعى أيان، في الثَّالثة، والعشرين مِنْ عمري، الفتاة الوحيدة لوالديّ…

 

لقد حصلتُ على شهادة تجاريَّة مِنْ كليِّة تجاريِّة هذه السَّنة بمعدّل ممتاز!!

أتقن اللُّغة العربيَّة، والانجليزيَّة، والإندونيسية، وأيضًا الكوريَّة…

 

وبمناسبة نجاحي وحصولي على هذا المعدّل الذي أراده والدي، فتح لي حسابًا مصرفيًا كما وعدني في حالة ما إذا نجحتُ بتفوّق، وهذا الحساب سيكون في أمريكا.

-ولمَ هُناك ؟!!!

-لأنّنا على وشك الانتقال إلى هناك.

 

أبي أراد معدل ممتاز، وأنا أردتُ النَّقل للولاية، فشرط عليَّ هذا المعدّل، وأنا بذلُت جهدي، لأحقق ذلك؛ لهذا المعدل يعدُّ فيزا ” مرحبًا يا أمريكا في حياتي”

 

آه لم أخبركم بعد، فنحن كوريون الأصل، ومقيمون في أندونسيا وديانتنا هي الإسلام.

 

لقد ولدتُ في كوريا، وترعرعتُ فيها مدّة قصيرة، حتى انتقلنا إلى أندونسيا حيث مقر عمل والدي …

 

   أمّا والدتي لطالما شدّها الحنين؛ لرؤية موطنها كوريا، للمرّة الأخيرة قبل أنْ نسافر إلى الولاية، فلبّى أبي طلبها.

 

لقد كنتُ في سنِّ الخامسة عندما انتقلنا إلى أندونسيا، فأنا متشوِّق؛ لرؤية موطني الحبيب الآن…

مرَّ الوقت منذ أنْ استلمتُ شهادتي، وأثناء ذلك، لقد باع والدي منزلنا هذا، وسافر قبلنا إلى الولاية؛ ليشتري لنا منزلًا، ويجد بشهادته الإداريَّة، وشهادتي التِّجاريّة عملًا لي، وله؛ لضمان استقرارنا، وبعد أنْ تمّتْ أمورنا، عاد ليأخذنا إلى كوريا لـثلاثة أيام للّتجوال، واليوم الرّابع؛ للسفر.

أنا متشوّق جدًا؛ لرؤية بلادي، جدًا جدًا…

أنا  كما تعرفونني الفنان الشَّهير الأعزب  مع ابتسامة مثيرة بجانب شفتيه، أ عرفتموني الآن؟ أم أقول لكم ؟

نعم إنّهُ أنا بطلكم المفضل: (لي مين هو)

لقد مررتُ بـكثيرٍ مِنْ العلاقات العاطفيَّة بحياتي، ولكن دائمًا أرى أنَّها ليست كافية بالنِّسبة لي.

أنا لستُ مستهترًا، ولكن في الحقيقة أشعر دائمًا بنقص، وربَّما أريد علاقة من بلد آخر، مختلف، وبالتَّحديد أكثر، أقول لكم عربيَّة مسلمة، ذات العينين الساحرتين، والواسعتين.

 

ولكن حقًا هل ستقبل بي؛ لتكون حبيبتي؟

 

وابتسم مجدّدًا بثقة قائلًا: أنا “لي مين هو”

مَنْ سيرفضني؟

 

فاجأه وجه امرأة أمامه، بالثّلاثينيات مِن العمر، ترتدي زيًا بسيطًا، تحدِّق به بريبة، فانتفض “مين هو” قافزًا للخلف مِن الفزع، وقال: “آجوما”

كيف اقتحمتِ غرفتي؟

 

أجابته آجوما باستغراب ملحوظ:

لم يكن الباب مقفلًا؛ لاقتحمه، ناديتكَ طويلًا، ولكنَّك كنتَ مستغرقًا بأفكاركَ العجيبة، ويعلو وجهك ابتسامات مخيفة.

تقدّمتْ واضعة يدها على جبينه بقلق، وقالتْ:

-عزيزي هل أنت بخير؟

أمسك “مين هو” يدها بعطف، ثمَّ قال مطمئنًا:

– “آجوما” أنا بخير، هل العشاء جاهز؟ أتضوّر جوعًا الآن.

-نعم، فلقد أتيتُ مِن أجل هذا. هيّا.

-هيّا.

   لي مين هو يقول بداخله بامتنان: “آجوما” هي أمي الثَّانية، لازمتني طوال حياتي، فاحترامي لها كاحترامي لوالدتي بالضّبط.

 

أيان تقول بداخلها بسعادة: مدينة “سيول” عاصمة كوريا الجنوبيّة تعدُّ أهم الوجهات التي يقصدها الزّوّار؛ من أجل السِّياحة، فهي تشتهر بمعالمها التَّاريخية التي تتواجد في القصور، والمتاحف الكثيرة في المدينة …

كما تكثر فيها المنتزهات، وأماكن الترفيه، ومراكز التَّسوق العصريَّة…

 

فإن بلادي تمتلك سياحة ناشئة، ومزدهرة، فهي من البلدان العريقة التي يختلط فيها التّاريخ مع الحداثة، والتَّطور، فتجد عاصمتها مليئة بمظاهر العمارة المتطوِّرة مِن ناطحات سحاب، وغيرها، أمّا القرى التّقليدية، فتراها محافظة على ثقافتها، ونمط حياتها التَّقليدي.

لا شك أنَّ كوريا الجنوبيَّة تعدُّ وجهة سياحيَّة مميزة لمنْ يبحث عنْ التَّغيير.

لقد أدهشتني السِّياحة هُنا كثيرًا.

إنّ السياح في كوريا يصلون نحو ما يقارب 11 مليون سائح، ممّا يجعلها في التَّرتيب 200 على قائمة الدَّول الأكثر زيارة في العالم، وأغلبيّة السُّياح يأتون من اليابان، والصِّين، وتايوان، وهونغ كونغ.

يقصد معظم السُّياح الذين يزورون كوريا الجنوبيَّة العاصمة سول بشكل أساسي، وإلى جانب سول هناك عدد مِنْ الأماكن الرَّئيسيَّة التي يتردّد عليها السُّياح مثل: جبل سوراك سان، ومدينة كيونغ جو الأثريَّة، وجزيرة جيجو.

زرنا تلك الأماكن مع السُّياح، فثلاثة من الأيام لم تكفِ لنا لزيارة كل تلك الأماكن، فمدة مكوثنا بقت من ثلاثة أيام إلى شهرٍ كامل.

 

   حجزنا فترة مكوثنا في فندق “لوته وورلد”، وهو يقع مباشرةً جانب عالم لوت في سيول.

 

فندق لوتة سيول.

من أفضل فنادق سيول كوريا الجنوبيَّة، يتميّز بموقعه في منطقة “يونغ غو” بالقرب مِن خيارات التَّسوق العصريَّة.

أما عالم لوت

عالم لوت Lotte World”” يُعد مِنْ أشهر، وأكبر، وأجمل مدن الملاهي التَّرفيهيَّة في العالم كلِّه، وأحد أبرز الأماكن السِّياحيَّة في سيول كوريا الجنوبيَّة.

يتكوّن عالم “لوت” مِنْ مدينة ملاهي مفتوحة تُدعى “ماجيك آيلاند” أو الجزيرة السَّاحرة، ومدينة ملاهي مُغلقة، تُدعى “أدفنتشر” أو المغامرة، كما يضم عالم “لوت” جزيرة اصطناعيَّة مُحاطة ببحيرة، وتضم متحف شعبي، وأماكن للألعاب الرِّياضيِّة، ومسارح؛ لعرض الأفلام، وغيرها الكثير…

وجدير بالذِّكر أنَّ عالم لوت يضم عددًا مِنْ المتاجر، ودور السِّينما، والمطاعم، والمقاهي، والمولات الشَّهيرة؛ ممّا يجعل عالم “لوت” نُزهة مُتكاملة، فلن تحتاج إلى الذَّهاب بعيدًا للقيام ببعض الأنشطة، بل ستقضي اليوم كاملًا داخل عالم “لوت”.

بما أنَّ والدايَّ كبيران على أن أنشطة اللّعب، ما كان عليَّ فقط فعل أمور أخرى بجوارهما.

 

  كالتَّجول داخل المتاجر، وزيارة المتحف، والمسرح، والمقاهي، والمطعام، أمورًا سهل نقضيها معًا.

لقد رأيتُ أمورًا أدهشتني منها فروض على المرأة.

 

 

يُلزم الشَّعب الكوري المرأة بعادات، وتقاليدٍ غريبة، فهو يفرض ملابسًا معينة على النِّساء، ولا يحقُّ لهن التَّخلي عنها، حيث أنَّ كتفي المرأة يُمنع أنْ يظهرا، ولو حتى جزء منهما، كما يتوجب عليها أنْ تغطي أعلى جسدها، ولكن يُسمح لها بأنْ ترتدي ملابسًا قصيرة إلى حدٍ ما، بينما تُمنع تمامًا مِنْ إظهار قدميها، فهذا لا يعدُّ مِنْ الذَّوق، كما أنَّه ينبغي على المرأة أنْ ترتدي زيًا ملائمًا، وأنْ تراعي لياقة الذَّوق العام، إذا أرادتْ أنْ تجلس في الشَّوارع.

 

وحتى عن البقشيش في كوريا الجنوبيَّة، النَّادل في كوريا الجنوبيَّة

يعدُّ البقشيش إهانةً للنَّادل، كل ما عليك فعله هو تسديد قيمة ما قمت بطلبه فقط.

حقًا كوريا جميلة، استمتعنا كثيرًا بمناظرها، وجمالها الباهر، آآآآه حقًا أريد المكوث ببلادي، ولكن عملي والولاية لطالما كان حلمي آه، غدًا في السَّابعة مساءً سيكون موعد سفرنا، وقد سمح لي والدي بالتَّجول بمفردي.

وحجزتُ تذكرة حفلة غنائيَّة لفرقتي المفضلة “سنسد”

ولمعت عيناها بسعادة، وأضافت قائله: “فأنا أتطلَّع؛ لرؤيتهم عَنْ قرب، يا لسعدي!!”

 

اليوم التَّالي…

بعد أنْ أدَّتْ أيان جميع الصَّلوات المفروضة مع والديها، وتناولتْ الغداء معهُما، وهيأت نفسها؛ لتخرج، أخذتْ حقيبتها الصَّغيرة، أنيقة الشَّكل، ووضعتْ فيها تذكرة الحفل، ومحفظة بها هويتها، ومالًا، وهاتفها…

 

دخلتْ والدتها إلى غرفتها، وقالتْ:

  • سنسبقك أنا، ووالدك عزيزتي، لا تتأخري علينا، حسنًا؟
  • حسنًا يا أمي.

ثمَّ قبَّلت أيان والدتها، وودّعتها، مع والدها، وتكلّمتْ، قائلة بعجلة، بحماس سأراكم قريبًا، وداعًا.

ردَّ عليها كلاهما:

  • في أمان الله بنيتي.

غادرتْ أيان؛ لتمضي ذاهبة إلى الحفلة.

والدتها تفرك يديها بقلق: هل ستكون بخير؟

كانت عيناها مازالتا محدقتين في الباب، الذي مرّت به وحيدتها، بقلق كانتْ مرتدية ثوبًا طويلًا، مطرَّزًا بنقوش جميلة، فوالدتها ماهرة بالحياكة، والتّطريز، وما زال الخمار على رأسها، بعد أن أكملتْ صلاتها، شعر الوالد بقلقها، رغم وخزة القلق التي بداخله، إلا أنّهُ ذهب ووقف أمامها، وطبع قبلة بجبين زوجته، وعانقها؛ ليشعرها بالطّمأنينة، وقال لها:

  • لا تقلقي، ستكون بخير.

فصمتتْ زوجته، ولكن مازال القلق يتملّكها بشدة، وتمتمتْ هامسة:

-آه…أرجو ذلك.

 

في منزل “مين هو”

عبر مين هو بجوار “آجوما لين” وهي تمسح الأرض بعصا ممسحة، وقال لها لينبِّهها لخروجه: آجوما، أنا ذاهب الآن.

آجوما شهقت بفزع، وقالت بفزع: يا إلهي، مَن تكون؟

 

الشَّعر غير مرتب، وتضع قبعة خرقاء، بدلة فضفاضة، كمغني الهيب هوب، فضحك “لي مين هو”؛ لردة فعل آجوما، وقال:

– آجوما، لم تعرفيني صحيح؟

    هذا جيد سأختلط بعامة الشَّعب اليوم، لقد مللتُ، وإن سألك أحدًا عني، أخبريهم بأنِّي سافرتُ برحلة، حسنًا؟

خرج “لي مين هو” تاركًا آجوما بصدمتها، قالتْ: لقد جُنَّ الشَّاب حقًا.

أخذ “مين هو” إحدى سياراته من الطِّراز القديم، لونها كحلي؛ كي لا أحد يشكّ به، أو يعيره اهتمامًا، والقبّعة كانتْ منْ أجل تغطية نصف وجهه.

 

في الحفل

يااا ياااا، أنتظر أين ذهب؟ لقد كنتُ متأكدة بأنَّهُ “لي مين هو”

وقفت فتاتين يلهثان بتعب؛ بسبب الرَّكض، فقد ظنّتا أنَّهما لمحتا “مين هو” بذاته، وأحدهما ربّتت بذراع صديقتها، وقالتْ:

– ليلي انظري هُناك.

هل هذه مسلمة؟

لفتت ليلى إلى الاتِّجاه الذي تشير به  صديقتها، ورأتْ أيان واقفة مع جماهير، تستمع بحماس للغناء، ونظرتْ الفتاتان لبعضهما بِـابتسامة ماكرة، واتّجهتا إليها، ووقفتا بجانب أيان مِنْ الطَّرفين.

أيان منشغلة بالحفل، واحدة من تلك الفتاتين أدخلتْ يدها بحقيبة أيان، وأخرجتْ المحفظة، وسبقتْ المحفظة بالهاتف، وبسبب هذا وقع الهاتف خارج الحقيبة، وتحطّم أشلاء.

 

لاحظتْ أيان هاتفها، أسرعت بالتقاطه، وهي ترى الفتاتين تهربان وتختفيان بين الحشد، قالتْ بحسرة:

– آه، ما العمل؟ كيف سأطمئنهما عنِّي الآن؟

 

أخذتُ أيان هاتفها، وغادرتْ الحفلة؛ لتتوجّه لزاوية الشارع يوجد مطعم، عام، متوسطٌ للشَّعب.

دخلتْ أيان، وتنهّدت، تلفّتتْ يمينًا، ويسارًا، ومِنْ ثمَّ اختارتْ طاولة، وجلستْ، أتتْ النَّادلة، وأخذتْ طلب أيان، ورحلتْ.

أيان تحاول تشغيل الهاتف، ولكن الشَّاشة تكسّرتْ بشكل كبير، ممّا ازداد توتُّرها كثيرًا.

أحضرتْ لها النَّادلة عصير برتقال، بارد، وتركتْ الفاتورة، ثمَّ تركتها بمفردها؛ لتأخذ الزَّبونة راحتها.

مِنْ شدّة القلق، شربتْ أيان العصير دفعة واحدة؛ كي تسرع في الذَّهاب إلى المطار، لم يتبقَ للسَّفر سوى ساعةٍ واحدة فقط.

 

فتحتْ حقيبتها، وتوسعت حدقتا عينيها بصدمة، وشهقتْ بخوف:

-لا…لا…، وأخذت تبحث كالمجنونة بحقيبتها، وأسفل الطَّاولة، وتذكّرتْ الفتاتين بالحفل، أخذهما المحفظة، وكسرهم الهاتف، وقالتْ بحزن:

-أووو…لاااا، يا إلهي!

ما العمل الآن؟

 

“لي مين هو”: تجولتُ هنا وهناك، ودخلتُ إلى الأسواق العامة، ياه… إنَّها لراحة حقًا، فأنا لا أرى أيّ صحفي يطاردني، أو حتى مُعجب، اليوم يوم الرَّاحة لي فقط، ولكن لم يستغرق هذا طويلًا…

فتاتان من الحفل الغنائيَّة تشبهان بي، وبدأتا بملاحقتي، ولكنّي تخلّصتُ منهما بوسط الحشد، وتركتُ الحفلة؛ لأدخل إلى هذا المطعم، فأختبئ منهما، جلستُ وطلبتُ شيئًا باردًا؛ لشربه، ثمَّ أعود إلى المنزل، وهكذا سينتهي يومي مِنْ هُنا.

ولكن عينيَّ وقعتا على فتاة تبدو مثلنا، ولكنَّها مُسلمة، تبدو متعبة، وخائفة بذات الوقت.

وتحدِّق بهاتفها بقلق، ممزوج بحزن، ربَّما تحطّم عليها، آآه مسكينةً حقًا، ولكن ماذا الآن؟!

ماذا ضاع عليها؟ تبدو مشتّتة، هل أذهب وأساعد؟

أم أعرِّفها بنفسي…

فأنا لطالما تمنيتُ ليكون لي علاقة من هذا النَّوع، ربّما تكون تلك العلاقة هي مع تلك المحجّبة.

-مرحبًا، نظرتْ أيان لمصدر هذا الصَّوت، كان رجلًا واقفًا أمامها، حدّقتْ به بتمعّن، وقالتْ في نفسها مستغربة:

– لديه شبه كبير بفنّاني المفضل “مين هو” ولكن ما يرتديه يظهره أنَّهُ هوَ.

وقال مجدّدًا:

 

  • مرحبًا، أنا لي مين.

صمتتْ أيان، ولم تردْ عليه، جلس مين هو بالمقعد أمامها، وقال معبرًا عن إعجابه:

  • أعتذر، ولكن أنا أحبُّ المسلمين كثيرًا، وأنتِ أول مُسلمة أراها بصدق.

قاطعته أيان، وقالتْ بخجل:

-أعتذر حقًا، ولكن موعد سفري لقد اقترب، وقد انسرقتْ محفظتي بالحفلة، وكما ترى هاتفي قدْ تحطّم بالفعل، هل…وصمتتْ قليلًا، بلعت ريقها بغصّة، ثمَّ أكملتْ قائلة:

– هل يمكنك أن تقرضني المال، أدفع الحساب، وأذهب إلى المطار؟

حدَّق بها مين هو بتمعّن، ومنْ ثمَّ وقف، وقال:

-هيَّا.

ترك بعض مال على طاولتها، ثمن ما شربته، وخرج منْ المطعم.

استغربتْ أيان منْ فعله هذا، ثُمَّ وقفتْ، وتبعته إلى الخارج؛ لتراه، وجدته يركب سيارته، وقالت بخوف:

-ألا يمكنك أنْ تقرضني مالًا، سأركب سيارة أجرة.

خرج مِن مقعده، ووقف، وقال بجدّيَّة:

-هيَّا، سأوصلك بنفسي.

ردّتْ أيان بـتوتر معترضة:

– لا، لا داعي، فقط أقرضني، فهم “مين هو” موقفها، وقاطعها؛ ليطمئنها قائلًا:

-أنستي، لا داعي أن تخافي مني، ثقي بي لو سمحتِ.

رغم القلق الظَّاهر على وجه أيان، ولكنَّها لم تكن تملك سببًا؛ لترفض، فهي بهذا الموقف، أصبحتْ مقيدة، ولم تعرف ماذا تفعل، سوى أنْ تركب مع هذا المجهول، وتدعو ربَّها بالسَّلامة، والأمان.

مين هو أوصلها إلى المطار، ورافقها إلى الدَّاخل، وأيان تبحث عن والديها، وتأمّلتْ السَّاعة التي في معصمها، وتنهّدتْ براحة، ممزوجة بالفرح، وقالت بصوتٍ منخفض:

– حضرت ُقبل الموعد بنصف ساعة، الحمد لله، سأجلس الآن في الانتظار، لعلّي أراهما عند وصولهما.

ثُمَّ توجهت إلى الشَّاب “لي مين هو” حيث ما زالت لا تعرفه، وقالتْ بامتنان بلغتهم الكوريَّة، التي تتقنها:

  • أشكرك على مساعدتي، يمكنك الآن أن تتركني هُنا، سأنتظر قدوم والدايَّ الآن، وسنسافر.

ابتسم مين هو لها بلطف، ثمَّ قال:

-حسنًا.

مين هو لمْ يغادر المطار، إنَّما جلس بعيدًا عنها يحتسي الشَّراب، وظلَّ ينظر إليها بترقّب، شيءٌ ما جعله لمْ يستطعْ تركها، ربَّما من معاني عينيها القلقة، وبحثها المستمر لوالديها عند الحمامات، والممرّات، وترقّبها للبوابة، حتى تجاوزتْ السَّاعة الحادية العشر.

أيان لم تفهم، تقول لنفسها: هل أنا مَنْ تأخّر على الموعد؟

أم أنَّهما لمْ يتركا الفندق بعد؟

وقف لي مين هو أمامها، نظرتْ أيان إليه بقلق، ووقفتْ، وقالتْ بقلق باد على صوتها:

  • أرجوك، أيمكنك أن توصلني إلى مكان مكوثنا.

دخلتْ أيان الفندق، وسألتْ الاستعلامات عن فترة خروج والديها، وأخبروها أنَّهما سلما المفتاح تمام السَّاعة الخامسة مساءً، وانطلقا بحقائب سفرهما.

ثُمَّ وجهت أيان كلامها لـ مين، وقالت بقلق:

– علينا العودة إلى المطار الآن.

 

وخرجت هلعة من هُناك، أخذها “مين هو” للمطار مجدّدًا اتّجهتْ “أيان” للتّسجيل، وسألتْ إنْ كانت أسماء والديها مدرجة مِنْ ضمن الرَّاكبين، ولكن لم يجدوا أسماءهما، أيان قلقة، متوترة، لا تفهم أين والديها الآن.

فمسكت رأسها بخوف، وتمتمتْ قائلة:

– أكاد أنْ أفقد صوابي هن.

وأصابها الدُّوار، تشبث بها “مين” قبل أنْ تقع، وقال لها:

– تماسكي أرجوكِ، سنجدهم.

قادها لمقاعد الانتظار، وجلب لها الماء، ورشفتْ منه بضع رشفات، وهو ظلَّ بجانبها، يدلّك يديها؛ ليبعد عنها القلق، سحبتْ أيان يديها منه بخجل بعد أن هدأتْ، أدركتْ أنَّه ما كان يجب أنْ يلمسها، ولكن أنَّى له أن يفهم ذلك، فهو ليس مسلمًا؛ ليعرف أن هذا خطأ.

كلاهما ظلَّ صامتًا طوال الوقت، مهما حاول “مين هو” لجعلها تتناول شيئًا، فهي تقابله برفض مستمر، وساعات مرّتْ بسرعة البرق، حتى

أصبحتْ السَّاعة الثَّالثة فجرًا.

كان “مين” بجانبها طوال الوقت، وقال “مين هو”:

– ماذا ستفعلين الآن؟

نظرتْ “أيان” إليه، وقالتْ بغضب:

  • طبعًا سأنتظرهما، حتى يأتيان.

أجابها موضّحًا:

– لا توجد أسماؤهما، اسمعي، يمكنك المكوث في المنزل، وسأصلح هاتفك، ونفهم أين هما.

ردّتْ “أيان” بقسوة: أمكث أين؟

ومنْ تكون أنت، هااااا…

 

   غضب “مين هو” لهذه الإهانة، رغم صنيعه هكذا تكافئه، وأجاب على سؤالها:

– أنا مّنْ أنقذك في المطعم، وأتجوّل معكِ كالسَّائق لديكِ طوال الوقت.

ووقف ووجهه متجهّم، وأكمل قائل

– أشكركِ؛ لجعلي أندم على تصرفي الحسن.

أنا ذاهب، إلى اللِّقاء.

تحسّرتْ “أيان” وعرفتْ بعد فوات الأوان بٲنَّها أخطأتْ بحقه، ولكنَّها لمْ تذهبْ إليه؛ لتعتذر على ما قالته، تخشى لو تحركتْ لثانية، ربَّما قد يأتي والداها، ويذهبان عندما لا يجدونها.

في هذه اللَّحظة كل تفكيرها يشغله والديها فقط، فقط والديها…

 

خرج “مين هو” من المطار غاضبًا، وهو بقمة غضبه، يلعن، ويشتم بداخله لما حدث، رنّ هاتفه، رفعه كان المتّصل “آجاشي” زوج “آجوما”

لين مين ردّ عليه: آجاشي، أعتذر، لم أخبركم بأنّني سأتأخر.

ردَّ الطَّرف الآخر بقلق:

– بني، أقلقتنا حقًا، أين أنتَ، هل تحتاج أنْ أتيك؟

قال مين معترضًا:

-” لا…لا. لديَّ سيارتي.

وأضاف بلطف، ناما براحة، لا تقلقا عليَّ، حسنًا؟

  • حسناً بني”

 

أغلق “مين هو” الخط، ولفتَ لبوابة المطار بغضب، وقال بغيظ: لن أذهب، حتى تعتذر، نعم، ستستسلم، وستأتي إلى هنا؛ تعتذر.

ثم وقف أمام سيارته بثقة، وختم كلامه بغرور: وأنا بانتظارها هنا.

 

أخيرًا استسلمتْ

بدأتْ السَّماء تتغير بألوان الفجر الذي يعتليه اللَّون الأزرق الفاتح، مع طبقات ممزوجة باللّون الوردي، والأصفر…

نعم، إنَّه الفجر ليومٍ جديد، كان مِنْ المفترض أنْ تكون الرؤية بهذا الوقت جميلة، وممتعة، ولكن ليس مع “أيان”

فإنَّ الوضع مختلف بالنسبة لها، خائفة، وقلقة على والديها، فهيَ لا تفهم ماذا حدث لوالديها.

وقفتْ أيان قبال المرآة الكبيرة مِنْ النَّافدة، متّجهة بنظرها إلى الخارج، ناظرة إلى السَّماء، سبحان الله بقدره يغيّر مِن حال إلى حال، وكيف يتغيّر مِنْ لونٍ إلى لون، يظهر فوق جمال الألوان خطوط قوس قزح…

حدّقتْ بعيدًا عَنْ السَّماء، فلفتها شاب أمام سيارته متكئًا على سيارته، وقالتْ بدهشة:

– آه، أما زال هنا؟ ولكن لماذا؟

وقالتْ لنفسها:

  • هل بالفعل بقيَ مِنْ أجلي؟

ثُمَّ قالتْ بحزم:

  • يجب أنْ أعتذر له، لقد أسمعته كلامًا لم يكنْ لائقًا أبدًا، وهذه ليس أخلاقي، ثُمَّ تلفتتْ بأرجاء المطار بحزن، وتنهّدتْ بأسى، تمسح دمعتها التي سقطتْ منها، لا شعوريًا، وقالتْ بحزم:
  • أمي، أبي، سأجدكما، هذا وعد…

 

لمح “مين هو” أيان خارجة مِنْ المطار، متّجهة صوبه، أظهر ابتسامة، إثر شعوره بالنّصر، وقال: أخيرًا استسلمتْ.

وبعد أنْ اقتربتْ منه أكثر، أخفى تلك البسمة، قبل أنْ تراه أيان.

توقّفت “أيان” أمامه، ونظرتْ إليه بخجل، وقالتْ بتلعثم:

– آآآ…أنا…

تحرَّك “مين هو” مِنْ أمامها، تاركها بتلعثمها، متّجهًا صوب باب سيارته، وفتحه، تفاجأتْ أيان لهذا الفعل، ولكنَّهُ فتح باب سيارته، ونظر لها مبتسمًا، وقال بلطف: هيّا اركبي، تأخرنا على أيَّة حال.

أيّان مجدّدًا، وجدتْ نفسها مجبرة أنْ تطيعه، لا مال، ولا هوية، ولا منزلًا يأويها الآن، فدعتْ إلى ربها كثيرًا طوال الطَّريق، أنْ يسلِّمها مِنْ هذا الشَّخص إنْ كان خطرًا عليها، وأنْ ينجِّيها منه، إن كان يضمر لها شرًا.

ولكن هناك شعورًا، لا يمكنها إنكاره، هو شعورها بالأمان معه.

اعتلتْ الدَّهشة ملامح وجه أيان، عند رؤيتها الحيّ الرَّاقي، والفلل الضَّخمة.

وقف مين هو أمام باب ضخم، مزخرف، أخذ من رفٍّ أمامه جهازًا صغيرًا شبيهًا بجهاز ريموت التِّلفاز، رفعه، وضغط عليه، حتى انفتح له الباب، وتوجها للدَّاخل…

 

واو، فلّة ذات تصميم إيطالي عريق، ناهيك عَنْ الحديقة التي مررنا بها، أضافت جمالًا فوق جمال، ولماذا؟

لأنّني لمحتُ من بين كلِّ الزُّهور نبتة دوار الشَّمس، فهذه نبتة أعشقها كثيرًا.

توقّفت السَّيارة أمام المنزل، نظر إليها مبتسمًا، وقال هيَّا، ثُمَّ نزل.

نزلتْ أيان مندهشة حدَّقت في السَّيارة القديمة، وبحجم وفخامة المنزل، وقالتْ في شكٍّ بينها، وبين نفسها:

  • ماذا يكون هذ الشَّخص لصٌ أم سائق؟

نظر إليها مين هو باستغراب، ولاحظ استغرابها، خاطبها: هيييا.

أيان عادتْ لصوابها، ثُمَّ تبعته كالقطّ، رغم القلق، ولكن لا تستطيع أنْ تبيّن قلقها، بقدر اندهاشها المستمر، لجمال ما تراه مِنْ حولها…

وتردّد في نفسها شك: كيف لهذا المتشرِّد صاحب السَّيارة القديمة في الخارج أنْ يملك منزلًا كهذا؟!!

ابتسم لي مين هو بثقة لتعابير وجه أيان المتفاجئ، وقال بثقة: أنا الفنان لي مين هو.

تفاجأت أيان لهذا، وقالتْ بتلعثم:

  • ولكن كــ كــ كــــيف، ولبسك، وو…

 

ردَّ عليها؛ ليوضِّح لها أكثر:

  • لقد تنكّرتُ هكذا؛ لكِي أستطيع الاختلاط بعامّة النَّاس، وغيّر الموضوع سريعًا، قائلًا:
  • جائعة، صحيح؟

ودخل إلى المطبخ، تبعته أيان، وما زالت غير مستوعبة لما قاله.

 

قال، وهو ينظر لمحتوى الثَّلاجة:

  • ماذا تريدين أنْ تأكلي؟

فأنا طباخ.

 

نظر إليه أيان مبتسمة، ثُمَّ قالت:

– إنْ كان يوجد خبز توست، وحليب، فهذا يكفيني.

وضع أمامها خبز توست، وصحنًا فيه سكين صغيرة، بالإضافة إلى جبنة سائلة، ثُمَّ أخرج قارورة حليب، وكأسًا فارغة بجانبه.

صبّتْ أيان الحليب لنفسها، وقالْت مشيرة إليه: أتريد؟

  • لا، أخرج علبة مِن جعة، وفتحها؛ ليشربها، تضايقتْ أيان عندما رأته يأخذ رشفات مِنْ الجعة، لاحظ مين هو تضايقها، ووضعها مباشره قبل أنْ يكبّها بسلّة النُّفايات.

قالت أيان، وهي تأكل، وتشرب مِنْ الحليب:

  • تحمّلني لبضعة أيام، ريثما أجد والدايَّ، حتمًا سأجدهما، وأرحل.

تضايق مين هو لما تعنيه، وردّ قائلًا:

  • ستكونين تحت رعايتي هنا، فلن يضايقني وجودك، حسنًا؟

التمستْ أيان مِن صوته الانزعاج، فشاحت نظرها عنه…

وأضاف قائلًا:

  • ولكن صحيح ما هو اسمكِ؟

غفلتْ أيان عن ذكر اسمها أمامه، وقالتْ: أعتذر، لمْ أخبرك سابقًا أدعى أيان، أنا مُسلمة.

 

قال مين هو متسائلًا:

  • ولكنّي لم أرَ بحياتي كوريَّة مسلمة؟

كيف؟

قاطعته أيان قائلة:

– لم أعش هُنا يومًا، ولا أعلم إنْ كان يوجد هنا كوريون مُسلمون غيري، ولكن نحن كنَّا نعيش في أندونسيا، وأتينا إلى هنا؛ لرغبة والدتي في رؤية مسقط رأسها، قبل أن ننتقل إلى أمريكا.

 

قال مين بعد فهمه بالسَّبب:

  • هااااا، فهمتُ الآن، ثُمَّ قال بعطف: لا تقلقي، ستجدين والديك أعدك بذلك.

ابتسمتْ أيان براحة، وقالتْ بامتنان لكلامه المشِّجع:

– أشكرك.

لاحظ “مين هو” توقُّف أيان عن الأكل، ووقف خجلًا، وقال:

  • سأترككِ؛ لتكملي أكلك.

وقفتْ أيان بعد رؤية ارتباكه، وقالتْ: لقد انتهيتُ بالفعل، أخذتْ الحليب، والجبنة، وبقيّة الأكل؛ لتعيدهم إلى الثَّلاجة، ساعدها مين بفتح باب الثَّلاجة، واتّجهتْ للمغسلة، حاملة الطَّبق، والكأس؛ لتغسله، احتك بها مين هو مانعًا لها من أن تغسله، انتفضتْ إيان، وتركتْ ما كان بيدها في المغسلة، مبتعدة عنه بتفاجؤ، لاحظ مين هو هذا…

قالت أيان بحزم: لا…لا يجب أن تحتك بفتاة مُسلمة أبدًا، أو حتى لمسها، فهمت؟

شعر مين هو بالخجل؛ لجهله، وقال مندهشًا:

  • آه…آسف، لمْ أقصد حقًا، أعذري جهلي رجاءً.

كانتْ أيان واقفة بجسم متصلِّب عندما احتك بها، ولكن بعد أنْ فهمتْ عذره ارتاح قلبها، وبدأ جسدها المتصلِّب يلين، ثُمَّ قالتْ:

  • لا بأس، ولكنِّي متعبة.

فهم مين هو مقصدها، وقال:

  • تعالي معي مِنْ فضلك.

أخذها إلى غرفة مرتّبة، وجميلة مِنْ منظرها توحي بأنَّها غرفة مصمّمة لفتاة فقط، قال:

  • إليكِ غرفة شقيقتي حاليًا، يمكنكِ المكوث هنا، ولبس ملابسها، حسنًا؟

أومأتْ أيان برأسها ايجابًا، وقالتْ بامتنان:

  • أشكركَ مجدّدًا على مساعدتي.

نظر مين إليها مبتسمًا، وقال: هذا واجبي، سأترككِ الآن.

ثمَّ توجه صوب الباب، وغادر، أمّا أيان توجهتْ إلى الباب ببطء بعد انصرافه بدقائق، وأحكمت إغلاقه بالـمفتاح، وأخرجت المفتاح براحة، وقفزتْ إلى السَّرير المريح؛ لتغوص بنومٍ عميقٍ؛ بسبب ما نالته مِنْ التَّعب…

دخل مين هو غرفته، وقال لنفسه مستغربًا:

  • أنا منذ متى أعامل النَّاس بهذا اللّطف، ربَّما لرغبتي الشَّديدة في أن تصبح حبيبتي الجديدة مسلمة؟

وأضاف متذمرًا:

كيف يمكنني كسبها، وهي بهذه الصَّرامة، والحذر؟!

ياااااه، مين هو، إنَّك تتنازل كثيرًا بالفعل، وتنهّد بتعب، وقفز لسريره هو الآخر؛ لينام.

 

 

بعد مرور خمس ساعاتٍ مِنْ النَّوم الطويل…

فتحتْ عينيها أيان؛ لتستيقظ، ولكن تفاجأتْ برؤية امرأة تحدّق بها بحيرة، انتفضتْ مِنْ السَّرير، قافزة، وقالتْ:

  • مَنْ تكونين؟

وتلك المرأة كانتْ آجوما، قالتْ:

– بل مَنْ تكونين أنتِ؟ وكيف دخلتِ إلى منزل سيدي؟

تنهّدتْ أيان، ثُمَّ قالت:

– مين هو، هو مَنْ جلبني إلى هُنا.

بدا الاستغراب على ملامح آجوما، ثُمَّ قالتْ:

  • تدعينه “مين هو”
  • أ هو حبيبكِ؟

أيان ردّتْ سريعًا منكرة: لا…لا خالتي…

آآه، كيف أقول لهذه، خالتي إنَّه مجرد صديق، مين صديق فقط.

  • هاااااا، لقد فهمتُ الآن.

وقالت أيان بلطف:

  • نعم إنَّهُ كذلك، هل من الممكن أنْ تتركيني بمفردي الآن؟

قالتْ المرأة بتفهّم متجهة إلى الباب:

  • حسنًا عزيزتي، ولا تتأخري، الغداء سُيقدم عند السَّاعة الواحدة. حسنًا؟

أجابتْ أيان لمجاراتها قائلة: حسنًا، ثُمَّ تبعتها أيان، ورأتْ آجوما تخرج مِنْ الباب مفاتيح احتياط.

اعتصر قلبها خوفًا، مُسلمة مصيرها جعلها تمكث في بيت شاب غير مُسلم، وليس أيّ شاب، بل أوسم، وأشهر رجال كوريا والمحبوب بينهم “مين هو”

آجوما هل أنتِ متأكدة أنكِ أخبرتها بموعد الغداء؟

لي مين هو يقول هذا بضجر، وهو جالس على مائدة الغداء.

آجوما قالتْ بقناعه: نعم بني، أعلمتها.

دخلتْ أيان، ورأتْ مين هو جالسًا، والمرأة التي وجدتها في غرفتها واقفة بجانبه.

ثُمَّ حدّقتْ إلى مكان جلوسه، وللمائدة، تذكّرتْ أيان عندما قرأتْ عن الأسرة في كوريا الجنوبيَّة.

فهم في المنزل، لا يرتدي الكوريون أحذية بداخل المنزل أبدًا، ويفضلون جميعًا الجلوس أرضًا، كما أنّهم يتناولون الطَّعام، وهم على الأرض أيضًا.

نمط حياتي لا يختلف عنهم بهذا الشَّأن…

نظر مين هو إلى أيان، وركّز على ملابسها، فهي ما زالتْ ترتدي ملابسها، ولم تغيرها، ومن ثَمَّ قال مِنْ باب الملاطفة: تفضّلي، ما زال الغداء ساخنًا.

ابتسمتْ أيان له، ثُمَّ جلستْ، حدَّقتْ بالطَّعام بصدمة، واعتلاها التَّقزز، قالت آجوما شارحة  لها أطباق الطّعام، هناك لحم الخنزير المشوي، وأضلاع الدَّجاج بجانبه.

وااااااو ، وااااااااو اختفى الصَّوت مِنْ عالم أيان، وهيَ ترى كلّ الأكل المحرم أمامها، انتابها الغثيان، ولكنّها كتمتْ ذلك أمامهم، لا تستطيع أن تحرجهم إثر كرمهم، فما ذنبهما إنْ كنتُ أنا مُسلمة؟!

قاطع مين هو شرودها، وقال باستغراب: لمَ لا تأكلين؟

نظرتْ إليه أيان، وابتسمتْ قائلة: سآكل.

رفعتْ يدها، وصبّتْ عصير البرتقال بكأسها.

بدأ مين هو بالأكل، وقال وهو يحدِّق إلى طعام صحنه: لمَ لمْ تغيري ملابسك؟

فخزانة شقيقتي مليئة بالملابس.

ردَّت أيان ببرود قائلة: إنّني لا أرتدي شيئًا مِنْ أحد، خاصة إذا لمْ يأذن لي بنفسه شخصيًا.

نظر مين هو إليها بغضب، وقال: ولكن شقيقتي لنْ تمانع.

أجابتْ مجدّدًا ببرود: ومع ذلك لا يحق لي أن ألبس.

ترك ملعقة الطَّعام على الصَّحن بغضب، ونظر إليها، وقال بجديّة:

  • هل تريني عدوًا لكِ؟

انتفضتْ خوفًا؛ لفعله هذا، ثُمَّ ردّتْ بعدم الفهم: لمْ أفهم.

قال مكرّرًا كلامه: هل بنظرك كلّ النَّاس غير المسلمين أعداؤكِ؟

أجابتْ بـاستغراب: ولمَ تقول هذا؟

قال بغضب:

  • رغم مساعدتي لكِ، تعاملينني بتعالٍ، وتكبّر، حتى أنّني لا أراكِ الآن تأكلين، ماذا؟ هل تخشين أن نسمّمك مثلًا؟

ألا تلاحظين أسلوبك المستفز.

غضبتْ لما قاله لها، رغم إدراكها بصحة كلامه، ولكنَّها، ردّت على سؤاله بـسؤال: أين هاتفي؟

أجابها بحنق مختصرًا كلامه: لدى المهندس.

قالتْ ببرود:

  • إنْ أنهيت أكلك، أريد الذَّهاب إلى مركز الشُّرطة.

نظر إليها مستغربًا، وقال بتردّد: لماذا؟

وقفتْ أيان مخفية ظهور ابتسامتها، ولكن خانتها شفتاها، وبرزتْ ابتسامة، بسيطة؛ بسبب ردة فعلى، ثمَّ نظرتْ إليه بطرف عينيها، وقالت بمكر: لمَ فزعت الآن؟

سأبلِّغ عن اختفاء والدايَّ فقط، وأيضًا حدّقت إلى الطَّعام، وقالتْ رغم أنّني أتضور جوعًا، ولكن لا يمكنني أن آكل غير طعام حلال فقط.

   واتّجهتْ إلى غرفتها، ذاهبة، وقف مين هو مستغربًا، وقال: طعام ماذا؟

هو أيضًا اتّجه إلى غرفته، رأتْ آجوما الطّعام، وقالت باستغراب: ما هذا الآن؟ لم يأكلا شيئًا.

وقامتْ برفع الأطباق.

مين هو فتح حاسوبه، وبحث عَمّا يخصُّ المسلمين.

وأيان واقفة وضعة مرفقيها بشرفة الغرفة تحدِّق بجمال حديقة المنزل، وقالتْ في داخلها:

  • أيان لمَ تعاملينه هكذا، لطالما كنتِ معجبة به، لمَ اختلف طبعك الآن، وتعاملينه بجحود، ثمَّ شدَّها الشَّوق لوالديها، وتنهّدتْ بعمق، ثمَّ قالتْ: آه…أمي، أبي أين أنتما الآن؟

لي مين هو أشكرك، أشكرك حقًا؛ لجعلي سعيدة.

رغمَ أنَّ مين هو يعلم أنَّ خبر وجوده في مركز الشُّرطة مع امرأة غريبة، سيعمُّ الخبر على كافة الصُّحف، والإعلام، فما بالك، وإنْ كانتْ مسلمة متحجِّبة، إلّا أنَّهُ لم يبالِ لهذا، افترض بينه، وبين نفسه ربَّما في مقدوره أنْ يستغل الخبر لصالحه، ويرتبط بها في علاقة عاطفيَّة، فهي بذلك _أيضًا_ ستصبحُ مشهورة، وغنيّة بفضله، وربَّما تميل إليه.

“ولكن هل سيحصل شيئًا كهذا بالفعل؟!”

 

   دخل مين هو، وأيان إلى المركز مع اثنان من حرسه الخاص؛ لإبعاد المعجبين، والصَّحافة عنهم.

بعد أنْ تَمَّ البلاغ عَنْ فقدان والديها، لاحظ مين هو صوت أيان مليء بالقلق، والخوف عندما تتحدّث مع المفتِّش عَنْ والديها انعصر قلبهُ ألمًا وهو يراقب ألمها الذي يرافقها بصوتها، وعينيها.

” لا يعلم إنْ كان هذا عطف، أو شفقة؟ ولكنَّه في لحظة أحسَّ بألمها كما لو كان ألمه”

ثُمَّ اتّجها إلى الفندق الذي مكثتْ به مع والديها بطلبٍ منها؛ للتَّأكد، ربَّما عادا إلى هناك مجدّدًا.

ولكن لا، لا يوجد حتى بصيص مِنْ أمل…

تنهّد مين هو، ورأها بحزن، وانكسار خاطر، وهي قلقة، ومتفاجئة؛ لاختفاء والديها، هكذا فجأة.

طلب مين هو رحيل الحرس عنهما، وكلاهما بالسَّيارة الآن، مين يقود وأيان جالسة بالمقعد إلى جانبه، قال مين هو بتساؤل:

– هل أنتِ بخير؟

نظرتْ أيان إليه، وقالتْ بصوتٍ مبحوح، ممزوج باختناق:

  • لم يبتعدا عني أبدًا، أنا…أنا حقًا لا أفهم لا أفـــ…، وأجهشتْ بالبكاء فجأة.

تفاجأ مين،  وجنّب سيارته، ويرى أيان دافنة وجهها الجميل بكلتا يديها، وأبعدتْ يديها، وقالتْ برجفة:

  • أخشى أنْ يصيبهم مكروه، فأنا…

قاطعها مين بعتب قائلًا:

  • لا تتفوّهي مثل هذا الكلام أيان.

ثُمَّ قال بثقة:

  • أنا أعدكِ، سأجدهم لكِ، وسترينهم مجدّدًا، ثقي بي.

 

توقفتْ دموع أيان مِنْ كلامه المفاجئ، تحدِّق به بدهشة، وهي لا تعني له شيئًا، فِلمَ يعدها الآن، وقالتْ باستغراب: هل أنتِ تعدني بذلك؟

ابتسم بلطف، وأجابها بعطف: نعم أعدك ِ.

قالتْ أيان: أنا لا أفهم، لمَ أنت تعاملني بكل هذا الكمّ مِنْ اللُّطف.

شغّل السَّيارة، وقال متجاهلًا لكلامها، رادًا لها:

  • جائعة صحيح.

وانطلق بهم…

قالتْ أيان بدهشة، وهي تحدِّق في أرجاء المطعم، بعد أنْ وضعتْ وجبتيهما:

  • أين وجدتَ هذا المطعم الإسلامي؟
  • مِنْ الإنترنت، فنصف أفراد هذا الحي مسلمون أيضًا.

بلادنا تملك العديد مِنْ الفنادق، يمكثون بها العرب أيضًا، ويوجد العديد مِنْ المطاعم الحلال، وهذه أحدها.

فإنَّ أغلب السُّياح العرب يفضِّلون المطاعم التي تقدم الطَّعام الحلال، ومنها المطاعم العربيّة، وتكلفتها أعتقد مرتفعة بعض الشَّيء هنا.

أراح هذا الكلام قلب أيان، وقالتْ بلطف:

  • وهل تمانع بعد أنْ نكمل طعامنا، أنْ نتجّول قليلًا.

نظر إليها بعطف، ثُمَّ ردَّ: حسنًا، هيّا أكملي سريعًا، مشيرًا إلى أكلها، لتأكله.

 

   تجوّلا بعد ذلك معًا، وظلَّتْ تسأل المارين: أين مكان الجامع الإسلامي؛ لأداء الصَّلاة، فهي مِنْ بعد الصَّلاة التي أدتّها مع والديها، لم تصلِّي بعدها، وهذا يجعلها مقصرة بواجبها أمام ربِّها. ً

نعم، فهذا يجعلها مقصرة بحق ربِّها، بعد أنْ وجدته، أخبرتْ مين هو أنَّها ستدخل؛ لتصلِّي بقسم النِّساء، وبأنَّهُ يمكنه أنْ يتّجه إلى سيارته، وينتظرها هُناك، أو يدخل إلى الجامع بالقسم المخصّص للرِّجال إنْ أراد، ثُمَّ دخلتْ واختفتْ في الدَّاخل،  لمْ يفهم مين هو شيئًا،  ولكنَّهُ ظلّ واقفًا.

بعد أنْ أدّتْ أيان صلاتها، وطلبتْ أنْ يمنحوها كتاب القرآن، والتَّجويد، لتقرأهم، وسجادة كذلك، وأخبرتْ الشَّيخ عَنْ مكان إقامتها، وأين سيكون مكان القبلة؛ لتقم صلاتها في المنزل، وأرشدها الشَّيخ بكل شيء، وعندما خرجتْ لمْ تجد مين هو…

وعندما خرجتْ لمْ تجد مين هو في سيارته، انتابها القلق، وقالتْ بخوف: هل تركني؟

نظرتْ حولها، وحدَّقت في الأرجاء، ثُمَّ بحثتْ بعينيها إلى داخل المصلَّى المخصّص للرِّجال، رغم أنَّها تعلم باحتمال بعيد جدًا، أنْ يكون بداخله، ولكنَّها توقّفتْ مندهشة؛ لرؤيته، رأتْ مين هو جالسًا في حلقة دائريَّة مع مجموعة مِنْ كبار الشِّيوخ، اندهشتْ أيان؛ لرؤيته، وقالتْ بدهشة: أيعقل أنَّه يريد…؟

نظر مين هو إلى الخارج، باحثًا عنها بعينيه، ورأها تنظر إليه، وابتسم لها…

طوال الطَّريق، ومين هو لمْ يتفوَّه بحرفٍ واحدٍ، بل ذهنه كان مشغولًا بالتَّفكير بشيء مجهول…

وأيان كذلك، ثمَّ قالتْ لنفسها بصمت: هل تأثّر يا ترى؟

رؤيتي له مع المجموعة، لقد أدهشتني كثيرًا اليوم، فوق وسامته هو يمتلك صفات المُسلمين مِنْ تواضع، ولطف، وحبّ المساعدة، واحترام مَنْ هم أكبر سنًا له.

    نظرت إليه ببلاهة، دون إدراك منها.

رغم أنَّ مين كانتْ عيناه صوب الطَّريق إلّا أنَّهُ لاحظ تحديقها، وقاطع تحديقها ناظرًا إليها باستغراب:

– لمَ تحدقين الآن؟

خجلت منه، فهي قد نست نفسها، وقالتْ مرتبكة:

  • هاااا…انظر إلى الطَّريق جيدًا.

ثُمَّ حدَّقتْ إلى خارج النَّافذة، بارز عليها الخجل، ابتسم مين هو، وعاد نظره على الطَّريق مجدّدًا…

عادا إلى المنزل، ودخل كلاهما لغرفتيهما المنفصلة، أيان ظلت تزيل جميع الُّصور المحيطة بالغرفة، ووضعتْ سجادة بنفس توجيه الشَّيخ، ومن ثمَّ صلّتْ ركعتين، رفعتْ يديها تدعي لمولاها عزَّ وجل أنْ يحفظ والديها أينما كانوا، دعتْ ودعتْ مطولًا، ثُمَّ أخذتْ المصحف، وبدأتْ بالقراءة بصوتٍ عذب.

كان بيديّ مين هو أكياس مِنْ المتجر،  متوجّهًا لغرفة إيان، وتوقّف فجأة عند عتبة بابها؛ يسمع صوتها العذب، بلغة غير مفهومة، هي اللُّغة العربيَّة.

فتح الباب على مهل، ونظر إليها، وهي تتلو آية تلو أخرى، وظهرتْ الدَّهشة على وجهه، ثُمَّ ردَّ الباب على مهل، وظلَّ يسمعها، وبدأ يذرف الدُّموع، ولا يعلم لماذا؟

فانتبه؛ لتوقّفها، فارتبك، اتّجه مين هو إلى غرفته، تاركًا الأغراض على عتبة بابها، ودخل لغرفته، ثُمَّ استلقى على سريره، واضعًا يده اليمنى خلف رأسه، يغوص في أفكاره، وقال لنفسه متسائلًا:

  • لمَ هذا التّأثير الكبير الذي أشعر به؟

أولًا بالجامع، والآن أيان، ولِمَ أنا أشعر بالبرد يغمر قلبي؟

ولِمَ أيضًا يعتريني البكاء عند سماعهم يتلون ما يقرأونه؟

   رغم عدم فهمي للغتهم، ولكن تعتريني الرَّغبة في البكاء، والشُّعور بالرَّاحة التَّامة، ما السَّبب لهذا؟

رفع هاتفه، وضغط على جهة الاتصال، وتأمل على الرَّقم المكتوب بـاسم الشَّيخ (فاتح) وتذكَّر كلام الشَّيخ له:

  • بني لو أتاك أيّ تساؤل وشكّ يحيّرك يخصّ الدِّين، فقط اتّصل بي لأجيب عَنْ كلِّ تُساؤلاتكَ.

ضغط على رمز الاتّصال بالشَّيخ…

فتحتْ أيان الباب؛ لتشرب الماء قبل أنْ تنام، فوجدتْ بعض أغراض، اندهشتْ لها، وتأملت الأرجاء؛ لتلمحه لو كان هُنا، ولكن لا أحد في المكان، حملتْ الأغراض إلى داخل غرفتها، وفتّشتْ بمحتوياتها، فقد وجدتْ ملابس جديدة، ذات أكمام طويلة، ومناديل طويلة؛ لتغطِّي بها شعرها، أسعدها هذا كثيرًا، وقالتْ بامتنان: لي مين هو، لي مين هو أشكرك، أشكرك حقًا؛ لجعلي سعيدة.

 

في اليوم التَّالي…

أيان…أيان…أيان تعقّد حاجبيّ أيان إلى أسفل باستغراب، تسمع اسمها، وهي مغمضة العينين، بل نائمة، وقالتْ في نفسها:

  • لمَ مين هو يناديني في حلمي؟

تأفَّف مين هو، وعاد يحاول مجدّدًا إيقاظ أيان، وقال بنفاد صبره: هيّا استيقظي أيان.

 

فتحتْ عينيها بنعاس تنظر بالواقف أمامها بشرود، حتى استوعبتْ من الذي واقف أمامها، محاولًا إيقاظها، آه إنَّهُ مين هو، انتفضتْ قافزة بفزع، حاملة المخدّة، تغطِّي بها، وجهها، وقالتْ صارخة: غادر الغرفة، هيّا غادر.

  ارتبك مين، وهرب مصدومًا مِن الغرفة، بعد أنْ أقفلَ الباب، انطلق متجهًا إلى غرفته.

 

أبعدت أيان المخدّة رويدًا عنْ وجهها، ونظرت في المكان، ورأتْ ألا أحد موجود، تنفّستْ بعمق، ثُمَّ أبعدتْ شعرها المبعثر، الذي على وجهها وقالتْ:  هذا خطر حقًا،  ثُمَّ قالتْ متذمِّرة: أنا مَنْ أخطأ،  تركتُ الباب مفتوحًا بالأمس، غبيّة أيان غبيَّة، تركتْ المخدّة على السَّرير، وتوجّهتْ إلى الحمّام المتواجد في جناح غرفتها.

مرَّ الوقت، دخلتْ أيان المطبخ، ورأتْ آجوما تغسل الصُّحون، توجّهتْ أيان إليها، وقالتْ دعي عنكِ سأساعدك، رفضتْ آجوما، وقالتْ:

  • لا بُنيتي، هذا عملي، فلتجلسي، وتفطري.

لم تشاء أيان أنْ تفعل ذلك، بل بقيتْ معها، وتجفّف الصُّحون بعد أنْ تغسلها آجوما.

قالت أيان:

  • أين تعيشين خالتي؟
  • في منزل الخدم عزيزتي، عندما أتى بك مين هو، ألمْ تري منزلًا صغيرًا بقرب حديقة المنزل قبل دخولك إلى هنا؟

ثُمَّ تذكَّرتْ رؤيتها للمنزل، وقالتْ: نعم، رأيتُ، ولكن أنا لا أرى أي خدمًا هنا.

ابتسمتْ آجوما، وردَّت قائلة:

  • بالماضي عندما كانتْ العائلة تعيش هنا، كان يوجد العديد مِنْ الخدم لهذا القصر، ولكن بعد وفاة السَّيد سافرتْ الوالدة، وابنتها إلى (بوسنا) منذ خمس سنوات تقريبًا؛ لتولِّي إدارة الشَّركة، وبعدها تزوّجتْ شقيقة مين هو الكبرى، واستقرت هُناك مع والدتها.

وأصبح هذه المنزل خاليًا، ومين هو طلب وجودي فقط في المنزل، وصرف جميع الخدم.

قالتْ أيان في صمت: هااااا، لقد فهمتُ الآن، فقد استغربتُ وجوده بمفرده في المنزل، هذا محزن.

ثُمَّ توجهت بسؤالها لأجوما:

– ولكن ماذا عنكِ، منذ متى وأنتِ تعملين هنا؟

ردَّتْ آجوما:” أوووو منذ رؤية عزيزي مين، وهو رضيع، فلقد ربيّته مثل ما تربي الأم أبناءها، فإن أباء وأمهات الطَّبقة الرَّاقية لديهم عيبًا واحدًا، فهم يتركون أولادهم، وبناتهم بيد مربية الأطفال، وهم يستمتعون بالسَّهرات، والحفلات، والشُّهرة، وهكذا، ولكنِّي ربيتُ مين هو على أحسن الأخلاق، وهو طيّب، رأيتيه كم هو لطيفًا، ومحبوبًا، ومساعدًا، لم يتعبني قط، بل يساعدني، يرتِّب غرفته بنفسه كلّ صباح، وإنْ كنتُ مريضة يدبِّر طعامه بنفسه، بالفعل أحبُّه، كما لو كان ولدي بصدق.

  • ألم تتزوجي خالتي؟

ابتسمتْ آجوما لها براحة، قائلة: أنا متزوجة عزيزتي، ابني الكبير سافر مع السَّيدة، الآن يعمل معها كمساعد لها في الشَّركة، أما زوجي معي هُنا يعمل كـشوفير للسَّيد الصَّغير مين؛ ليقلِّه إلى العمل بالشَّركة.

فهمتُ أيان الآن كل شيء، وسكتتْ لبرهة، ثمَّ قالتْ: آه صحيح، أين هو الآن؟ أقصد مين هو أين هَو؟

مين هو ماااا هذه الفضيحة؟

وكيل أعمال مين هو يصرخ عليه طارحًا أمام مين صحيفة، نظر مين إلى الصَّحيفة المطروحة أمامه بجهل، ثُمَّ رفعها؛ ليرى

“فضيحة وجود مين هو بمركز الشُّرطة، وتورّطه بالعنف الجنسي”

قال مين هو مصدومًا راميًا الصَّحيفة على الأرض، بعنف قائلًا:

  • إنَّها أكاذيب ملفقة، مَنْ يجرؤ…؟

   ردَّ الوكيل مَنْ يجرؤ؟ بل قلْ مَنْ لا يجرؤ، هيّا أخبرني ماذا كنتَ تفعل بمركز الشُّرطة؟

ومَنْ هذه الفتاة؟

تخبئ شعرها، وجسدها هل…هل…هل هي قبيحة؟

ردَّ مين على سؤاله بضيق: إنَّها مُسلمة، مُسلمة.

قال وكيله بدهشة: مسلمة؟!

هااا، نعم لقد تذكرتُ، لقد صرَّحت مِنْ قبل للعالم بأنَّكَ معجب بـأخلاق العرب، والمسلمين، وتحترم المرأة المسلمة، وأكثر ما تحب بهم عيونهم الواسعة، والجميلة، ألم يخطر ببالك ربَّما تكون محتالة.

  • “مااااااااذا ” قال مين بـاستغراب إلى الوكيل.

قال وكيله متابعًا لكلامه، جميع فتيات كوريا يتقاتلن مِنْ أجل أنْ تواعدهم، حتى لساعة واحدة من يومك، وهذه كوريّة، ألا ترى وجهها مشيرًا لصورتها التي تملأ بجميع الصُّحف ربَّما هيأتْ نفسها، وتحجّبت وتصادفتْ معك؛ لتقع بك، سيضيع مستقبلنا هكذا.

وقف مين هو لهذا الهراء، وقال بحزم:

  • رتِّب لي مؤتمرًا صحفيًا بأقرب وقت، وسأنهي هذه المهزلة ببساطة.

 

وغادر المكتب، واثقًا بخطواته، تاركًا وكيله، وعصبيته التي لا معنى لها بالنِّسبة له.

ركب مين هو السَّيارة الخاصّة بالعمل، فقال له السَّائق زوج آجوما لين هااا بني، لقد تمَّ إصلاح الهاتف.

 

وتذكر مين هو هاتف أيان، أخذه مين هو، وقال:

  • أشكرك، أتعبتك معي.

قال السَّائق:

  • ما الذي تقوله، فهذا واجبي.

دخل مين هو إلى المنزل بتعب بادٍ على وجهه، نادى آجوما، ولم تجبه، بحث في الأرجاء، فافترض بأنَّها خرجت للتَّسوق.

ثمَّ توجه نظره إلى غرفة أيان، وتذكّر الصَّباح، والجنون الذي حدث، بلع ريقه، وتوجه إلى غرفتها؛ بنيّة اعتذار، طرق الباب مرّتين، ثلاث، أربع مرّات، ونادى عليها، مسك مقبض الباب، وهزّه يمينًا، ربّما يكون مفتوحًا، أجل انفتح الباب، نظر إلى الدَّاخل؛ ليرى إن كانتْ موجودة ولكن الغرفة كانت خالية، نظر إلى الغرفة بـاستغراب، فقد أزالتْ أيان جميع الإطارات، والصُّور التي كانتْ على الجدران، والمكتبة الصَّغيرة التي تخصّ شقيقته، قال: أين تكون قد وضعتهم؟

 

فتح الأدراج يبحث عنهم، ثمَّ وجد الإطارات، والصُّور، ثم رأى الكتاب المقدس، حدّق به، ورفعه ينظر إليه، ويتصفّحه، ولكنَّه لم يفهمْ الكلمات، ووضعه بحرص.

حدّق مجدّدًا إلى الغرفة، وغادرها، فلمح بعض أقراص السِّيدي بجانبه ورقه رفع الورقة مكتوبًا بها: إلى مين هو…

مجموعة مِن محاضرات د. ذاكر نايك، آمل بأنْ يفيدك بشيء.

ملاحظة: أنا، وخالة آجوما خرجنا للتّسوق.

نظر مين للأقراص، وأخذهم دون تردّد، وغادر المنزل، تاركًا لآجوما ملاحظة أمام الثَّلاجة، بعدم عودته إلى المنزل باكرًا اليوم.

هل يمكنك تعليمي لغة العربيّة؟

كان لدى مين هو جلسة تصوير، وأيان اتفقت مع آجوما أنْ تطبخ طعامها بمفردها أقنعتها بأنّ لها تقاليد خاصة كمسلمة، ولكن في الحقيقة، فهذا يجعل أيان مطمئنة؛ لتستطيع أنْ تأكله دون أنْ يساورها الشّك ممّا تأكل.

ولأنّ تلك تقاليد، طلبتْ آجوما مِن أيان مناداتها بآجوما لين، لا خالة، لأنَّ هذا أيضًا تقاليد لدى كوريا.

تجوّلتْ أيان وحدها بالمنزل الكبير، واندهشتْ لضخامة أحجام الغرف، وكلّ غرفة ضخمة بها حمام مرافق لها، ثمَّ وجدتْ غرفة مُغلقة، فافترضتْ بأنّ الغرفة تخصّ والديه، خرجتْ خارج المنزل، تتجوّل في حديقة المنزل، رغم أنّ المساء قدْ حلَّ، ولكنَّ القمر قدْ أضاء لها الطَّريق، أخذتْ نفسًا عميقًا، وانتعشتْ بنسيم الهواء المنعش، ورائحة الأزهار الجميلة.

قوستْ حاجبيها بقلق، وحدّقتْ إلى ساعتها، وقالتْ لنفسها بصمت بادٍ على ملامح وجهها، ممزوجًا بالشَّوق؛ لغيابه، قائلة: آآآه، لمَ تأخّر مين هو؟

جميلة…

لفتتْ أيان خلفها، بفزع؛ لترى مصدر هذا الصّوت، مع العلم، تعرف إلى مَنْ ينتمى صوته.

مين هو: شعرتُ أنَّ جزءٌ مني غائب، وأنا متواجد بمقرِّ التَّصوير، شارد الذهن، دائم التّفكير، ملامحها، ملامحها ونظرتها البريئة، وابتسامتها العذبة، وكلّ حركة صغيرة، وكبيرة، بأدِّق تفاصيلها، تفعلها أيان، قد داهم عقلي ووجداني.

شوقًا غمرني إليها، لدرجة أنّني تهرّبتُ مِن إكمال التَّصوير اليوم، فقط، لرؤية وجه مَن سلب عقلي.

وياااااه مِن التي سلبتْ عينيّ الآن مِن بعد عقلي…

مشيتها التي داهمتْ حديقة عقلي، قبل حديقة منزلي، ونظراتها العفويّة، التي تحدّق بهما في الأرجاء، واستنشاقها للورود بعمق، لقد اكتمل الآن الشَّيء الذي أشعره ناقص، وهوَ أنتِ.

 

أيان

قال مين هو، وهو منبهر بجمالها الذي سلّط ضوء القمر اليوم عليها كـنجمة على المسرح.

قاطع حبل أفكارها قائلًا: تبدين جميلة.

لفتتْ أيان للخلف فزعة، ورأتْ مين هو يحدِّق بها بإعجاب ملحوظ، شعرتْ بحرارة تغزو جسدها المرتعش، وخفقان قلبها بدأ في تسرّع خفقه، وقالتْ: آآآه لقد أفزعتني،  لا تأتِ خلفي هكذا مجدّدًا.

أيان تقول هكذا بعد أنْ رأتْ مين، وهو يقف خلفها، وأشاحتْ وجهها عنه بعد أنْ اعتلى عليه الاحمرار، مِنْ الخجل.

ابتسم مين هو بعطف، وقال: أعتذر، لم أقصد، واقترب منها.

ابتعدتْ أيان منه قليلًا، لاحظ مين هو تصرّفها، ولم يعطِ أي ردة فعل، بل ركّز على لبسها، سروال جينز على بلّوزة طويلة، تصل إلى ركبتيها، مغطية لمنحنيات جسدها، ومنديلًا يغطي شعرها، لونه متناسب مع ملابسها، وقال معلنًا عن إعجابه لها بجرأة: تبدين جميلة!

نظرتْ أيان إليه بتعجّب، وضيق لجرأته اليوم.

لاحظ مين هو ضيقها؛ لكلامه، وأكمل مغيرًا صيغة كلامه الذي أزعجها قائلًا: أقصد بالملابس، هل ناسبتك الملابس؟

نظرتْ إليه أيان، وتغيّرت معالم وجهها بالرِّضا، متفهمة لكلامه الآن، وقالتْ بلطف (ديه جوماااال ) قالتها بالكوريَّة، وتعني بالقاموس العربي،  (نعم كثيرًا) ثمَّ أضافت (كوماوووو)أشكرك.

لاحظ مين هو جمال ملامح وجهها، وأحمر الشَّفاه الخفيف الذي وضعته يلمع بشفتيها، فاجتاحته رغبة شديدة؛ ليقبِّلها، ولكنَّهُ أزاح وجهه، وقال مغيرًا الموضوع، سمعتك البارحة بالصدفة، تقرأئين الكتاب المقدس، الذي يخصُّكم، ولم أشاء أنْ أقاطعك، ونظر إليها.

حدّقتْ به أيان مندهشة، طابعة على شفتيها ابتسامة عفويَّة جميلة، وبمجرّد أنّها فعلت هذا، وقف مين هو أمامها، ممّا يشعر بداخله مِن رغبة على ابتسامتها التي تذيب قلبه، بسحر جمالها، وليطفئ قلبه الملتهب الذي يعتريه الآن.

نعم هذه هيَ الابتسامة التي أنبتتْ بداخله شوق، ورغبة في أنْ تكون لهُ، ولوحده.

وقال بداخله: نعم أيان، أنا معجبٌ بكِ، بشدّة، وأريدكِ أنْ تكوني لي.

 

  نظرت إليه بقلق، ولاحظتْ نظراته الفاضحة بالإعجاب لها، وقالتْ بسرعة، متهربة من نظراته التي يرسلها، وينسيها مكانها قائلة: سأعود إلى الدَّاخل.

وهبتْ لتمشي، ولكنّه أوقفها قائلًا:

  • هل يمكنكِ تعليمي لغتكم العربيَّة.

حدّقتْ أيان إليه بدهشة…

مين هو:

لقد كنتُ شاردًا بأفكاري، التي وتّر أيان مني، وجعلها تتهرّب بعذر أنّها ستدخل إلى المنزل، فاحترت، وقلتُ سأخرجها مِن التَّوتر الذي أصابها؛ بسبب فعلي، قائلًا لها: أيان، هل يمكنك تعليمي لغتكم العربيَّة، ومن ثمَّ وقفتْ محدِّقة بي بدهشة، آه نعم أدهشتها بطلبي هذا.

وقفتْ أيان تنظر إليه بـدهشة، لبرهة، وارتسمت على وجهه السَّعادة وقالت: نعم ،  يشرِّفني فعل هذا.

بعد أنْ دخل أيان، ومين هو إلى المنزل معًا بجانب بعضهما، قال مين هو:

– متعب، سأنام، نومًا…وقبل أنْ يكمل قاطعته أيان قائلة: تصبح على خير، وذهبتْ بسرعة  إلى غرفتها، دون سماع ردِّه لها: ابتسم مين هو وقال بداخله:  تصبحين على خير أيان.

كان متّجهًا إلى غرفته، إلّا أنّ رنين هاتفه أوقفه، رفعه، وردَّ على المتَّصل.

كان الاتصال مِنْ قسم مركز الشُّرطة، يخبره الشُّرطي على البلاغ الذي كتبته أيان، باختفاء والديها، بأنَّهم وجدوا شبيهًا لما وصفت، طريحين بالمستشفى، وهما الآن في قسم العناية المشدّدة؛ بسبب حادث سير.

 

   صعق مين هو لهذا الخبر، وهرع مسرعًا إلى غرفته، ورفع هاتف أيان، وأشغل هاتفها؛ ليتأكد من صحة الخبر، ربَّما هناك صورة تجمعهم، فيرى الشَّبه بمن هم في المستشفى، قبل أنْ يتسرّع، ويخبر أيان، ويجن جنونها.

وجد مين هو صورًا لوالديها، وحمل هاتفه واتّصل: ردّ عليه شخص ما، قائلًا: نعم بني.

قال مين بقلق: أجاشي جهِّز السَّيارة الآن، لدينا ما نفعله، وأخبر آجوما بـأنّنا سنذهب إلى الشَّركة.

أجابه الطّرف الآخر: حسنًا.

أيان تحدِّق بالسَّماء متكئة عند باب الشُّرفة، سمعتْ بعدها أصوات تشغيل السَّيارة، نظرتْ باتّجاه السَّيارة، ركب مين هو وانطلق إلى الخارج.

استغربتْ، وقالت بقلق:

  • ألم يقل بأنّه سيدخل؛ لينام، والآن…

ارتسمت في وجهها معالم الغضب، وقالتْ أكيد ذهب لنوادٍ ليليّة؛ ليسكر، ويرافق إحدى حبيباته، ويتسلّى، ففي الأخير هو كافر، ماذا أتوقّع منه، سأنام الآن…

أغلقتْ أيان الباب بعنف، وارتمتْ على فراشها غارقة وجهها بالوسادة، وعقلها ما زال يشغله مين هو، وقالت لنفسها بـاستغراب:

أيان لمَ أنتِ غاضبة منه، هذه حياته، وهو بالأساس ليس شخصًا عاديًا.

ثم جلستْ بقلق تنظر إلى ناحية الشُّرفة، وقالتْ بفضول، يا ترى إلى أين قد يذهب الآن؟

ذهب مين هو متنكرًا؛ كـي لا يكتشفه أحد هذه المرّة، ذهب مع آجاشي بون شيك زوج آجوما لين، إلى القسم، وبعد أنْ تأكّد أنَّهما والدا أيان، وقّع على بعض الأوراق، وكأنَّه مِن أفراد العائلة، ثمَّ أخد كل ما يختصّ بهم، حقائبهم، جوازات سفرهم، والتّذاكر أيضًا، واتّجه إلى المشفى الجمهوري، ووجد أهل أيان بالعناية المشدّدة.

   دفع مين هو التّكاليف التي مضتْ، وقام بنقل والديها إلى المستشفى الخاص بعائلته، وجهّز أفضل الأطباء للعناية بهما بشكل خاص.

أيان

تجوّلتْ مجدّدًا في المنزل، حتى غرفته، لم تتركها وشأنها، ثم خرجتْ، وجلستْ على الأريكة، وشغّلتْ التّلفاز؛ ليمر الوقت، ولكنّي لا أعلم لما أنا غاضبة هكذا؟

سمعتْ صوت السَّيارة، وغمرها فجأة الفرح، وقالتْ:

  • آه لقد عاد، أطفتْ التّلفاز، وأعادتْ الريموت لمكانه، واتّجهت إلى المطبخ، وصبّتْ الماء داخل الكأس؛ ليراها، ويظنّ بأنَّها استيقظتْ؛ لتشرب.

دخل مين هو إلى المنزل، متعبٌ، حزين لما حدث مِنْ مأساة، وكيف سيخبرها؟

وتفاجأ لروية أيان أمامه تشرب الماء…

تركت أيان الكأس في مكانه، ورأتْ مين هو يناظرها بتعجّب، وتظاهرتْ أيان، وقالت: آه ظننتك نائمًا.

ردَّ عليها قائلًا، مختصرًا: كان لديّ عملٌ ما.

وحل الصّمت بينهما فجأة، وكلاهما يتطلّع للآخر، أيان شعرتْ بالخجل؛ من نظراته، وقالت هاربة: سأذهب الآن.

ومشتْ هاربة، قال مين هو: أيان…

وقفتْ أيان تنظر إليه ببراءة، وقالتْ: نعم!

حدّق مين هو إليها بعمق لبرهة، ثمّ ابتسم بعفويّة، وقال: تصبحين على خير.

ردّتْ أيان قائلة: وأنت مِنْ أهل الخير.

   ثمَّ دخلتْ لغرفتها مسرعة، مقفلة الباب، واضعة يدها اليمنى على قلبها، وقالتْ لنفسها بـاستغراب لمَ قلبي يخفق بقوةٍ هكذا الآن؟!

تمدّد مين هو على سريره، بحزن، ثُمَّ قال: كيف أستطيع أنْ أخبرها بحالة والديها الآن؟!  

أيان

هذا الصَّباح لمْ يكنْ مين موجودًا في المنزل، وممّا فهمتُ مِن آجوما فإنَّ اليوم مميز له.

“اليوم عيد ميلاده”

وإنّ أكل الكوريين في أعياد الميلاد هو: حساء العشب البحري.

إنَّ الأمهات يهتمن بصحتهن جيدًا خاصة، بالنّظام الغذائي المفيد أثناء الحمل، وقبل الولادة.

حتى أنَّهم يتناولون أشياء غير مستساغة بالمرَّة، ولكنَّهم يجبرون أنفسهم على ذلك رغبة في إيصال فوائدها إلى الجنين، وبالتَّالي عند إقامة أعياد ميلاد للأبناء، فإنَّهم يقدِّمون لهم حساءً مِن عشب البحر

؛ ليتناولوه، وليتذكروا كم عانتْ أمهاتهم في حملهم.

ويُعد تناول هذا الحساء نوع مِن أنواع العرفان بالجميل، والتَّقدير والثَّناء على أمهاتهم، وقوة تحمّلهم.

وهذا اليوم لا بدَّ مِنْ وجوده بين والدته، وشقيقته، ولكن آجوما   فعلت له هذه الأكلة، رغم تعبها، فهذا لم يمنعها من إعداد هذه الأكلة.

وحين أشتد تعبها، أوصتني بأن أجعله يتذوقه، وهي ستذهب للرّاحة.

لقد كنتُ طوال هذا الصَّباح في منزل آجوما، وحين غادرت منزلها حاملة حساء أعشاب البحر بيديّ صادفتُ مين هو أمامي، متوجِّههً إلى المنزل، استغربتُ من وجوده، ألا يجدر به أنْ يكون في منزل والدته الآن؟!

” يا مين ” أيان نادتْ عليه، فـلفتَ إليها متفاجئًا، وقال بـسعادة:

–  مرحبًا أيان، ما الذي تفعلينه هُنا؟

ثمّ تقدّم إليها.

   ردّتْ عليه قائلًا:

  • عندما لم أجدْ آجوما هذا الصَّباح، فذهبتُ لرؤيتها، ولكن أنت ما الذي تفعله هُنا؟!

رفع مين حاجبيه للأعلى، قال: أستسمحكِ يا سمو الأميرة، ولكن أليس هذا منزلي.

ضحكتْ أيان على ردِّه، وقالتْ:

  • أقصد…، ثمَّ صمتتْ قليلًا، وقالتْ بلطف، ماهيَ مشاريعك اليوم؟

اعترى مين الحزن فجأة، ونظر بعيدًا، ثمَّ تنهّد بضيق، وقال: انتهيتُ من عملي مبكرًا، فـلا بدّ مِنْ أنْ أكون في المنزل، وأرتاح، سأدخل الآن، ثمَّ اتّجه للخلف؛ ليذهب باتّجاه المنزل، استوقفته أيان قائلة: مين، توقّف مين عندما نادته، ثم أكملت قائلة:

  • هل تقبل أنْ تخرج معي اليوم؟

ألتفتَ إليها مندهشًا، وقال:

  • يسرّني ذلك، كالموعيد!!!

قالتْ أيان:

  • لا أعلم ماذا يعني ذلك؟ ولكن أريد أنْ نستغل كل دقيقة اليوم نمضيه في الخارج، ما رأيك؟

قال مين: قرب الفندق الذي مكثتِ بها يوجد عالم “لوته” هل زرتيه؟

  • لااااا، وأودّ أنْ نذهب سويًا إنْ شئتَ طبعًا.

ابتسم مين لها، وقال: هيّا إذًا؛ لنتجهز.

 

تجهيز مين معناه تنكّره كليًا من ملابس، وسيارة، وطريقة مشي ويخفي وجهه لبعض الوقت في المكان الذي يقصده، وعندما كنتُ مع والدايّ لم أشاهد، أو أمارس روعة هذا العالم “لوت”

لدى هذا العالم أفضل 7 أنشطة، داخل عالم لوت في سيول كوريا الجنوبية.

من المعالم الفاتنة في مدينة

يتكّون عالم لوت مِنْ مدينة الملاهي المفتوحة، تُدعى “ماجيك آيلاند” أو الجزيرة السَّاحرة، ومدينة ملاهي مُغلقة تُدعى “أدفنتشر” أو المغامرة، كما يضم عالم لوت جزيرة اصطناعيَّة، مُحاطة ببحيرة، وتضمّ متحف شعبي، وأماكن للألعاب الرّياضيَّة، ومسارح؛ لعرض الأفلام، وغيرها الكثير.

فإنَّ أول الأنشطة يُمكنك القيام بها داخل “عالم لوت”

  • أول ما يُمكنك زيارته داخل عالم لوت في سيول هو: مدينة الملاهي الخارجيّة المفتوحة (ماجيك آيلاند) والتي هي عبارة عن جزيرة اصطناعيَّة مُحاطة ببحيرة سيوكون، وتضمّ المدينة 17 لعبة مُختلفة، تضمّ لعبة السُّقوط الحرُّ.

 

  • ثمَّ عليك المرور بمدينة الملاهي الثَّانية داخل عالم لوت، وهي مدينة الملاهي المُغلقة (أدفنتشر) الأكبر في العالم، والتي تضم 22 لعبة مُختلفة، يمكنكِ الاستمتاع بها، وجدير بالذِّكر أيضًا أنَّ مدينة الملاهي (أدفنتشر) يُقام بداخلها عدد كبير مِنْ المهرجانات، والمواكب المُبهرة في أوقات مُختلفة مِنْ العام.

 

  • مِن أهم الألعاب التي جرّبتها مرّتين مع مين، هي لعبة Pharaoh’s Fury أو غضب الفرعون، والذي يسمح لك بتجربة الرُّجوع إلى عصر الفراعنة، والتّجول بسيارتك الخاصّة في رحلة طويلة، وسط كل ما يخصّ الفراعنة.

 

  • أمّا عَنْ المسرح السِّحري Magic Theater وهو مسرح يضم 200 مقعد، ويُعرض عليه العديد مِنْ العروض مثل عروض السّحرة، ومستخدمي الخدع مِن كوريا الجنوبيّة، وسحرة مِن دول أخرى أيضًا.

وجدير بالذِّكر أنَّه تمَّ عرض أكثر مِنْ 700 عرض حتّى الآن.

 

  • ثُم َّألقينا نظرة على المتحف الشَّعبي الموجود، داخل عالم لوت سيول…

إذا أردتَ التَّعرف على كوريا الجنوبيَّة، وشعبها، وتاريخها عليك أنْ تأتي إلى هذا المتحف.

 

  • لقد تجوّلنا على عدد مِنْ المتاجر، ودور السِّينما، والمطاعم، والمقاهي، والمولات الشَّهيرة…

إنّ هذا عالم لوت نُزهة مُتكاملة، فلن تحتاج إلى الذّهاب بعيدًا حقًا؛ للقيام ببعض الأنشطة، بل ستقضي اليوم كاملًا داخل هذا العالم.

وعندما كنّا في المطعم، طلبتُ صحنًا، إضافيًا مِنْ نادلة بجانب طلبيتنا، وعندما رتّب النّادلان طاولتنا، واضعين الأطباق التي طلبناها وانصرفا، أخرجتُ ما أعطتني آجوما مِنْ أجل مين، وسكبته على صحن، برزتْ على وجه مين الدَّهشة، وركّز على الطَّبق، وقال: هل هذا ما أظنّه…؟

ابتسمتْ أيان، وقالتْ له: ذكرى ميلاد سعيدة

مين

بدا شعوره متضاربًا بين سعادة، ودهشة، وامتنان.

هل أبكي الآن أمامها مِن فرط السَّعادة التي أصابتني الآن؟

كان يجب أنْ تكون أمي هي مَنْ تفعل هذا الآن؟

 

ابتسم مين بـامتنان، وقال لها:

  • أشكرك على هذا اليوم، وعلى حساء الأعشاب، أفرحتني اليوم كثيرًا.

ابتسمتْ أيان بسعادة، وقالت:

  • هو يومك، لا بدّ أنْ تعيشها بسعادة، هيّا تناول الأعشاب فإنَّ آجوما مَنْ أعدّته لك.

بعد أنْ تناوله، لقد شاهدتُ محتوي الفيديو.

قالت أيان بعدم فهم: ماذا؟

  • أقصد محاضرات دكتور نأيك.

توسّعتْ ابتسامتها، وقالتْ بلهفة:

  • وبعد.

تأمّل قليلًا للسَّماء، وكبّر ساعتها، وقال:

  • ربّما لأنّني لا أؤمن بأيّ مِن الدِّيانات السَّماويّة، أصبح بذلك ملحدًا، لا أعلم شعور كلّ راحة، واطمئنان ينتابني، بعد كلِّ سماع للقرآن، وكلماته، يمنحني طمأنينة في نفسي، أحبُّ هذا الشُّعور كثيرًا.

نظر لمعالم الدَّهشة في وجه أيان.

قالتْ أيان:

  • واو…حقًا، لمْ أتوقّع ردًا كهذا، ولكنّني سعيدة، بأنَّهُ قدْ أفادك

فردّ قائلًا: إنَّهُ كذلك.

ثمَّ أضاف متسائلًا: ولكن في التِّلفاز، والإعلام يخيفونا بالمسلمين: قتل، وتفجيرات، وإرهاب، يااااه هذا مخيف حقًا.

  أيان تكلّمتْ بالعربي بعد سماعه قائلة: ﭧﭐﭨﭐﱡﭐ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ  ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ﱞ ﱟ ﱠ  الحجرات: ٦

مين هو بعدم فهم: المعذرة.

أيان نطقت بالكوري قائلة:” إنّها آية مِنْ كتاب القرآن الكريم، في سورة الحجرات، والمعنى أنَّ الإعلام، وتلفزيون تأتيك بمعلومات، فنحن علينا أنْ نتأكّد من صحة هذه المعلومات، قبل أنْ نقوله، ونمرِّره لغيرنا، أي نتأكّد إنْ كان الشَّخص على صواب أم خطأ.

ليس كل ما يقول الإنسان صحيحًا، وليس كل ما يخبرنا التِّلفاز صحيح، الجميع لديهم أفواه، ونحن علينا أنْ نتأكّدْ مِنْ صحةِ المعلومات التي تنشر.

أمّا عن الإشاعات التي تقال عَنْ الإسلام: بأنّهُ دين القتل، دين سلب لحريّة المرأة والزَّوجة، دين الإرهاب…، كلّها خاطئة، فهذا مجرّد تشويه مِنْ أجل ألّا تفهم مَنْ هو ربك، وما قد تنزّل في القرآن، ومَن هو آخر الأنبياء المرسلين، يبعدون البشر عَنْ الحقيقة، ومعرفتها بهذه الإشاعات.

قلْ لي مين، أخبرتني أنّك معجب بالمسلمات، فقل لي لماذا؟

لماذا أنت معجبًا بهنَّ؟

  • لأنهنّ جميلات، وبريئات، ومستورات، ويحافظنَ على عفتنهنّ، وطهارتهنَّ، ومخلصات لدينهنَّ، فهذا شيء رائع.

 

ابتسمتْ إيان فقد أعجبها ما سمعته منه، ثمَّ قالتْ: فلمَ إذًا يقولون أنَّ المسلمات مظلومات عَنْ اتّخاذ حرياتهم بشكل مطلق، هم يرون أنَّ الحجاب هذا الذي أرتديه الآن شيء مقيد لي، ومحرومة مِن اتّخاذ قراري لخلعه، واتّخاذ الحريّ لنفسي.

و أضافتْ متسائلة: وإنْ خلعته، وأصبحت حياتي كباقي النِّساء، غير المسلمات، كيف ستكون نظرتك لي؟

ردّ بانفعال معترضًا:

  • لا، لا،  لا تخلعيه، ولا تخلعنه أبدًا، فهذا ما يميّزكنَّ عَنْ سائر نساء العالم.

ضحكتْ إيان بعفويّة؛ لردة فعله، وقالتْ:

  • حتى الإنسان يحتاج لمنزل ذو سقف، وجدارن؛ ليحمي نفسه مِن عوارض المناخ، والأمراض.

فإنَّ الله سبحانه، وتعالى يقول في كتابه، ويوصي بأنَّ علينا الحفاظ على أنفسنا، وأن نرتدي الحجاب، أو الخمار، كل الحلال، والحرام ذكره اللّه في كتابه العزيز، ونحن فقط علينا اتّباع ما جاء مِن ربّنا، ونؤمن به ونؤمن بكافّة الرُّسل، ونؤمن بخاتم الأنبياء، والمرسلين.

أومأ إيجابًا مستسيغًا لحديثها، فلمْ تكتفِ أيان، فأضافتْ قائلة:

  • فإنَّ واجب كلِّ مسلم أنْ ينقل الرِّسالة لغير المسلم، بغضّ النَّظر عن نقله للرِّسالة، أو لا فإن الله تعالى يقول في سورة فصلت:

ﭐﱡﭐ  ﲽ  ﲾ ﲿ ﳀ ﳁ ﳂ ﳃ ﳄ ﳅ ﳆ ﳇﳈ  ﳉ ﳊ ﳋ ﳌ ﳍ ﳎ ﳏ ﳐ ﳑ ﱠ فصلت: ٥٣

   والمعنى أنَّ الله سبحانه، وتعالى يقول: أنَّ الرِّسالة ينقلها المسلم لغير المسلم، حتى وإنْ كانتْ في أبعد الأفق، سينقلها لهم.

فإنَّ رسالة ربنا أنّه سيري الآيات، والعلامات، لكلِّ واحد قبل أنْ يموت أنا في الحقيقة لا أعلم كيف كانتْ حياتك قبل أن آتي إليك، ولكن أعتقد أنَّ هذه صدفة، هي رسالة مِنْ الله؛ ليريك الحق، ومعرفة الحقيقة، أي أنَّي رسالته قد وصلت إليك قبل أن تموت …

نظرت إليه، وهو مندهش وعاجز عن الرَّد شرد قليلًا، فقالت أيان معتذرة:

  • آسفة لإطالة حديثي معك فأنا…

فقاطعها قائلًا:

  • أنا فقط… لا أعلم، كلماتك كلمات لم أعهدها من قبل تجعلني أصدقه وأمن به بدوري، أنا فقط مندهش، وعاجز عن الرّد أو المجادلة فأنا أساسًا لا أنتمي إلى دين ما، فقط مندهش.

قالتْ أيان بسرِّها: هل مين هو سيعتنق الإسلام؟

هل هذا ممكن حقًا؟

نظر مين هو إليها، مع ابتسامة معهودة، بعفويَّة، وقال:

  • هيّا بنا نعود…

أومأتْ له بالموافقة، فقامتْ معه.

بعد أنْ عدنا إلى المنزل، قال مين: سأتفقّد آجوما قليلًا، لا تنتظريني، اذهبي، وارتاحي، حسنًا؟

قالتْ أيان بلطف: حسنًا.

فتح آجاشي الباب فوجد مين هو، بعد أنْ طرق مين عليهم الباب، أدخله أجاشي، وأجلسه، اقتربت آجوما، وقالتْ بحب: أهلًا، أهلًا بولدي، عيد ميلاد سعيد.

ابتسم مين لها، وقبّل جبينها بـامتنان، وقال:

  • أشكرك جدًا على تذكّرك جميع تفاصيل حياتي آجوما.

ضربتْ بخفة على ذراعه، وقالتْ بعتب:

  • ما هذا الكلام؟  ألا تعدني كـوالدتك؟

ابتسم مين بامتنان، وقال: وهل هذا سؤال، بالطَّبع أنتِ كذلك؟

نظر مين هو لأجوما بقلق، وقال:

هل زال عنكِ المرض؟، أقلقتني عليكِ.

ابتسمتْ آجوما لمراعاته لها، وردّتْ قائلة: لقد خفّ، وغدًا ستراني، وقد تعافيتُ كليًا.

قال آجاشي بعد تفحّصه لـمين هو: أراك تنكّرتَ مجدّدًا.

ابتسم مين، وقال بسعادة: أيان أرادتْ أنْ أمضي يومًا جميلًا، فتوجهنا سويًا إلى عالم لوت.

اندهش كل من آجوما وآجاشي لهذا التّطور، وقال آجاشي

  • أهااا، سيصبح لدى ولدنا رفيقة.

ضحك مين خجلًا، وقف هاربًا للخارج، وقال:

  • هيّا سأترككما الآن.

وخرج متجهًا صوب منزله…

أيان قائلة بداخلها سرًا، وبسعادة: كان اليوم يومًا جميلًا حقًا، وزاد جماله بوجود مين هو، ربااااه كم مين يبدو وسيمًا أكثر عن قرب، أمّا ابتسامته تجعلني ذائبة بها.

وكبرت حدقتيها فجأة بدهشة، وكأنّها أدركتْ ما قالته لتوِّها في سرِّها.

فأخذتْ تمشي ناحية سريرها، وجلستْ بطرف منه، وعقدتْ حاجبيها بقلق، وقالتْ: مهلًا أيان تجاوزتِ حدودكِ الآن، الأفضل أن تنامي، هيّا، نعم سأنام.

مين هو بعد أنْ بدّل ثيابه، وجلس على سريره.

قال بسرِّه: لقد خرجتُ قبل بزوج الفجر اليوم إلى الشّيخ فاتح، بـطلبٍ منه.

منذ تلك اليوم الذي كُنتُ في المسجد، وبين تلك الحلقة شعرتُ بتواصل مريح بداخلي، ومنذ ذلك الوقت، وأنا على تواصل مع الشّيخ يعلِّمني أمورًا كثيرة عن دينهم، الحدود، والكثير مِن الحدود التي يضعونها في حياتهم…

وكل سؤالٍ مني أوجّهه له يعطيني جوابًا مقنعًا، مع الدَّليل، دليل يخصّهم، ولكن لا أعلم لمَ أصدِّق، وأقتنع؟!

وكان اليوم هو يومي الأوّل لـتعلّم كيف تتم صلاة المسلمين، أردتُ التَّعلم فقط، ربّما إنّه الفضول مِن قِبلي! لا أفهم حقًا، ولكن، ولكن ممارستي لها تعجبني كثيرًا…

لا أعرف حقًا لماذا أفعل هذا؟!

ولكن شعورًا بداخلي يقودني؛ لتعلُّم المزيد، والمزيد عنهم…

 

 

1 2 3 4الصفحة التالية
الوسوم

رأيك يهمنا

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock