روايات كاملة

توبة طاوس بقلم/ سارة ناصر

جميع الحقوق محفوظة للكاتبة

توبة طاوس بقلم/ سارة ناصر

إهداء
إلى كل من منع التجربة
وح رم السعي، إلى كل من سمع جملة “حلمك
مستحيل” لكي ينضم بهدوء للقطيع، إلى كل من
وف، إلى كل من قيل له أن الجديد خطر
خاف خِّ
أكيد…. المستحيل.

الفصل الأول
نحن فقط نقصَ قصص الحب ما يومٍ عرفنا، ولا يومًا سنعرف للحب سببًا أو حيلةً، هو الجنون بدار العقل وعين العقل لأعتى المجانين، ومهما بدا الحب مستحيلًا بدا لعيون القلب فى قبضة القلب القلب . كبداية فجر يوم جديد بآذان الفجر فى أذن مؤمن والتسبيح فى فمه وعيونه آمنة تهتدى سبل الهداية بمشية متأنية وسط الظلام ،فيسمع –هو- صرخة مدوية تلهب سكون الفجر ؛فيقف فى تردد ثم صرخة أخرى، والتفتَ إلى مصدرها وركض إليها ،لا يعلم إلى أين يذهب ؟شارع يلي شارعًا وصُراخات متتابعة تضعه فى متاهة والفجر يبخل ببصيص نور يبين الطريق .الظلمة والوحدة لم يوقفاه وأوقفته عيونها بنية اللون بدموعها الساكنة بين الجفون ،حولها قطرات دم ، تخفى الألم بصمت وتفضحها رعشة شفتيها، شعرها الأسود المموج يملؤه التراب، وقوامها المثالى انكشف من خلف ثيابها المقطوعة، بياضها توارى خلف الجروح والدماء والتراب، تملكته رغبة فى احتضان انكسارها قبل أن تهدأ أنفاسه قبل أن يسألها عن حالها شقت قلبَه رصاصة فسقط أمامها قتيلًا .
************
انتقلَ من حياة لأخرى، فى فضاء ساشع مظلم يطفو بلا أجنحة، يتسألُ ببساطة:
-أين أنا ؟أين العالم ؟أين الناس ؟
ثم ظهر نوران يشعان بهجه واطمئانًا، النور دائمًا أفضل؛ فنور يصدر من فُوَّهة بندقية تعلمك حتمًا مصيرك خير من ظلام مع عرير الصراصير. اقترب النوران أكثر حتى اتضح أنهما ملكان وبدأت المحاكمة، أحدهما يسأل والأخر يدون الإجابة:
-من ربك؟
-ربى الله.
– ما دينك؟
– دينى الإسلام.
– من نبيك؟
– نبيي محمد بن عبد الله.
والأهم..
– على أى شئ مت ؟
– مت وأنا أنقذ من لا أعرف عنها غير صوتها الصارخ وهيئة طاووسٍ أوشك على الذبح.
يرد الملكان باطمئنان:
-الجنة.
************
ضوء أبيض كبير جدًا لا يقوى على تحمله، يبدد الظلام من حوله، فيغلق عينيه بسرعة وبقوة ويشد بها أعصابه، يفتك جسده الفاني، وتعبرُ روحه إلى الجنة كروح خالدة من باب بذل النفس فى المنزلة السابعة ، حيثُ غاية ومراد البشرية أجمع ، ويفتح عيونه على مئات الأرواح بمختلف الألوان والأشكال والأديان، وجد المسلم والمسيحى واليهودى و البوذى كأنه فى سوق فى قلب القدس، غير أن الجميع سعداء متحابون بلا نزاع ولا خلاف، وجد من فوره ملكيْن فوقف يتأمل بهاء رسمهما، وقوة تركيبهما، الواحد منهما يشع نورُه فلا تستطيع رؤية معالم وجهه، فقال أحدهم بعد انتكاس رأسه:
-نحن فى خدمتك يا سيدي
بعد ابتسامة زهو
-خدمتى أنا؟
أرشده الملكان إلى قصره، فسار على طريق ممهدة من الورد والأزهارعائمٍ على ماء رائق تطرب أذنه إلى صوت البلابل وعصافير والكنارى وجميع الألحان البديعة يهدأ بها. وكان القصر من طابقين يطفو على سطح الماء كباخرة فاخرة، بابه من فِضة وقبضته من الماس، كل لَبناته من ذهب ومن حوله الأنهار تنساب فى هدوء كأنها حرير يتطاير من أعلى ناطحة سحاب.
دخل قصره وكانت في استقباله أربعة من الحور العين، انتشى من السعادة ولمعت أعينه فقال:
يا الله! مجرد النظر إليكن جنة.
ووجد العديد من الملائكة بمختلف الأحجام والأشكال والألوان، كلٌ في خدمته، كان الطابق الأول مخصصًا لهم جميعا، وفى الواجهة سُلَّم عريض من البِلَّوْرِ واللؤلؤ. صعد إلى الدور الثانى فيه مسجد في غاية الإبداع الهندسي، كأنه جزء كبير من الحرم النبوي مُشِعٌّ مليءٌ بالروحانيات، وفى مقدمته محراب، وبه مصحف مصنوع من ذهب، وفي غرفته سرير كبير من ريش النعام، ثم فراغ يملئه كيفما شاء، استلقى على السرير باعتزاز وزُهُوٍّ واضعًا رجلًا على رجلٍ، في فرحة غامرة، ونشوة انتصار ورضا، إنه وجد طعم الراحة والهناء فيقول :
-أنا حصلت على الجنة.
وهو فىى تعجب من كل شئ بديع يراه ،ومال برأسه ينظرخارج الشرفة وجد أمامه شجرة الفناء تخلو من الأوراق ثمراها على أشكال قلوب نابضة حية وتحاط بهالة مقدسة،لا جمال فيها ولها رهبة مخالفة لطبيعة الجنة .
****************
غفى قليلًا ثم استيقظ بوجه منير من السعادة. الجميع فى الجنة فرحون، ضحكاتهم متعالية من كل القصور، أراد تكوين صداقة جديدة فخرج يستكشف الجنة وجد مئات من القصور تفصلها عشرات النخيل العائمة على أنهار العسل والخمر والحليب والماء العذب، وعلى الرغم من أن القصور متماثلة إلا أنها مبهرة ؛ كلما نظرت كأنك تراها لأول مرة فتأخذك لتتأمل طويلًا ولا ترفع عينيك عنها إلا برؤية قصر آخر . رأى رجلًا لا يضحك ولا يكاد يبتسم، لكنَّ النظر إليه يغمرك ابتسامًا من صدق طيبته وقبل أن يتكلم، ويفتتح معه حديثًا ،اختفى! ولا عجب، فالأرواح تنتقل كما تشاء فى لمح البصر.
وعاد إلى قصره ، يستلقى على سريره مع زوجه (آليس (ثم مال عنها إلى الشجرة مجددًا كأنها امرأة اجتمع فيها الزمن تحمل لمعانَ وبريقَ المراهقة ونضوج الأربعينية، قال وكأنه يهمس لنفسه:
-لونها…!
فأجابت آليس:
-بردس.
– (انتبه إليها) ماذا؟
-لون شجرة الفناء بردس.
-شجرة فناء! …فى عالم الخلد!
– هى تعيدك إلى أرض الفناء عندما تأكل ثمرة منها فتترك الخلد وتعود الأرض كبشرى.
تغيرت تعابير وجهه إلى البلاهة والجهل، لاحظته آليس فقال
-الأرض؟… أهى شجرة
قالت:
– لاتبحث عن ثمرة اقتلعت شجرتها بكل جذورها.
سكت ليدفعها بنتظرها تكمل
قالت ساخرةً: ذاكرتك مُحيَت..ذاكرة أرضية لا تحمل سوى الألم …كل شئ عن الأرض أو عشته بها لقد محى تماما … أنت فى حياة جديدة بذاكرة جديدة، مبارك لك.
رد بابتسامة طافية على وجهه لم تصل لقلبه ، وأمسك يدها وقبلها واحتضانها لإنهاء الحوار ، استدار إلى الشجرة وهو مأخوذٌ بسحرها.
***************
لا حساب للزمن فى الجنة، لا أعوام، لا فصول، ولا شهور، لا ليل ولا نهار، هى ساعات متتالية غير منقطة من الضوء مستمِرٌ فى غرفة مغلقة. فلا تستطيع أن تعلم لكم من الوقت نظر إليها، اشتاقَ لحنين معارض لهذا النهار لكنه لا يذكر معنى الليل لينطق به، فأغمض عينيه بحنين يرى من فوره عيونًا بُنية اللون دموعها ساكن وحولها قطرات دم . نهض من مكانه فزعًا هاربًا، فقدمت إليه آليس زوجته.
-حبيبى، ما بك؟
-رأيت عيونًا دامعة ؟ أتكون ذكرى من الأرض؟
-لا يمكن قد مُحيَت –تدلل – ربما كانت عيونى.
كانت عيونها زرقاء كأمواج المحيط مع ابتسامة كإشراقة نجم فى فضاء الكون فألهته عيونها قليلًا، ولكنها لم تنسه العيون الدامعة التى لا يعلم مصدرها، ولا إلى أين تقوده.
******************

 

تقييم المستخدمون: 3.96 ( 8 أصوات)

1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية
الوسوم

رأيك يهمنا

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock