قصص قصيرة

ربان السفينة بقلم أمل محمد منشاوي

ربان السفينة | قصة قصيرة بقلمي | أمل محمد منشاوي

ربان السفينة قصة قصيرة بقلمي/أمل محمد منشاوي

 

**********************

في أحضان البرد كانوا ينتظرون, يدثر بعضهم بعضا . سيدة شابة وأطفالهاالخمس, مالت عليهم لتخبئهم من صقيع الشتاء كجزع شجرة مال بأغصانه عن الطريق كي يحميها .

مرت أمامهم الحافلة وأنا فيها, كنت منفردة في مقعدي متوجهة الى عمليفالوقت لازال مبكرا .

افسحت لهم كي يجاوروني مدة الرحلة, ادخلت هي الأطفال ثم تبعتهم, جعلت كبراهم بيننا، جلست الفتاة محتضنة أخاهاالرضيع تحميه من الهواء المندفع من زجاج السيارة المكسور، ثم جلست هي حاملة على رجليها صغيرا آخر عمره العامان، وفي الاتساع الذي بين المقاعد وقفت فتاتان تبدوان كتوأم،متكئتانعليها، فكلما مالت السيارة مالتا معها وإذا توقفت فجأة سقطتا على رجليها، تحاولان الابتسام كلما سقطتا ولكن اصطكاك أسنانهما من البرد يمنعهما .

ما أقسي الحياة حين تضع أوزارها على أكتاف الصغار، تحرمهم الأمل بأن الغد يحمل لهم من الخير الكثير .

لكل سفينة ربان، وسفينة الحياة ربانها الزوج ، كانت السيدة متوجهة لزيارة سجين، من الواضح انه زوجها وواضحأيضا انه لم يترك لهم عائلا ولا معين . بدا ذلك جليا من المظهر البالي الذي بدت به ملابسهم جميعا، ملابس قديمة ولكنها حافظت عليهافخاطت رتقها، ورقعت بعضها، تستر أجسادهم لكن لا تقيهمقسوة البرد.

حملت  السيدة لزوجها الأطفال وشيئا من طعام، وحملت له أيضا بصيصا من أمل أنها على العهد باقية، وللود حافظة، وبحملها راضية .

فقادت سفينتهم وواجهت أخطار الحياة.

تنهدت حزنا على حالهم، وترقرقت من عيني دمعة تبكي براءة الأطفال، صغيرة هي على حملها وصغار هم على غدر الزمان .

كذلك أنا … صغيرة على الهموم،ووحيدة رغم التفاف الجميع حولي، حزينة رغم ابتسامات الشفاه، عليلة رغم احتمال الألم .

لا يختلف حالي عنها كثيرا، الفارق بيننا ان ربان سفينتهم قد غيبته يد العادلة، أما أنا … فسفينتي قد تخلى عنها الربان،قد غيبته يد الأنانية والتخلي عن المسؤولية، جمعنا الحب وفرقنا الغباء، غباء التصرفات والكلمات، غباء التحكمياتعندما يتحتم التغاضي والانصياع، غباء التخلي وقت الاحتياج.

على قدر تضحيتي كانت أنانيته، وعلى قدر تمسكي كان تخليه.

سافر بحجة تحسين الحال، وتركني وتركالصغار، تآكلنا أنياب الوحدة وتنهشنا أيادي الحرمان . كنت الملم أغراضه في حقيبة السفر وأضع في حقيبتي أحجبة الصبر لعلها تكون لي ترياق، سألتهاما كان خيرا ان نكون معا فنتقاسم الهموم ونتشارك الحلم والأمل، أجابني  .. مع أول فرصة سيكون اللقاء ولم الشمل .

مر عام ثم عام، والاطفال الصغار كبروا مع الأيام، سألتني الصغيرة وكانت بنت عام وقت السفر وها هي ذا في عامها الثالث قالت: مالون أبي …؟قاصدة شكله!…أخرجت من بين أوراقي صورة له وأريتها، قبلتها واحتضنتها ثم نامت مبتسمة، بت ليلتي ودموعي تغسل قروح نفسي، أحمل فوق كتفي عبئا لتنوء منه الجبال، اربعة اطفال أكبرهم في المرحلة الاعدادية وأصغرهم يخطو اواخر خطواته في عامه الثالث، عامان انقطعت بيني وبين أبيهم الأسباب، وكان لابد أن أكون أبا قبل أن أكون أما.

صرخت، سببت، لعنت، لكن لم أتخل يوما .

تخور قواي في اليوم مائة مرة، أصابني اليأس وكدت أن أفقد الطريق،أي أمل ذاك الذي يحملني كي أصبر على هذا البلاء…!، أي حلم ذاك الذي أتجرع له مرار الصبر كل هذه الاعوام ..!

يقف الاهل معي مرة ويتململون مرات، ضعيفة انا كتلك الطفلة التي حملت رغما عنها مسؤولية طفل أخر، كلاهما يحتاجان الى حضن يضمهما

وقفت السيارة الى حيث انتهت رحلتنا، نزلنا جميعا قاصدا كل منا وجهته، بقيت هي في انتظارمن يدلها على الطريق، حانت مني التفاتة اليها، كالجبل الاشم واقفة في مواجهة الاقدار، تحيط ابناءها بذراعيها معلنة للدنيا انها قادرة على حمايتهم، تعجبت، تساءلت.. من أين تأتيها القوة، وعرفت الاجابة عندما عدت الى البيت واستقبلتني الصغيرة فاتحة ذراعيها لي طالبة حضنا كبيرا، ساعتها رأيتني كالجبل الأشم في مواجهة الاقدار،  وأقسمت أن أكمل مع أبنائي المشوار، حتى وإن تخلى عنا ربان السفينة .

تقييم المستخدمون: 4.22 ( 19 أصوات)

الوسوم

‫2 تعليقات

رأيك يهمنا

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock