روايات كاملة

رواية لعلها البداية للكاتبة ضحى حجازي

جميع الحقوق محفوظة للكاتبة

رواية لعلها البداية للكاتبة ضحى حجازي

الفصل الأول :

تجلس علي ضفة ذلك النهر العظيم الذي كان ومازال تلك النعمة التي أهداها الله تعالي لمصر ليكون مصدر تلك الحضارة العظيمة التي استمرت لأعوام مديدة …

لا تستطيع تصديق أنه قد مر خمسة أعوام منذ تغيرت حياتها بصورة لم تكن متوقعة… حزن تبدل لسعادة لم تدوم طويلاً ليعود الحزن هو المسيطر علي الوضع
…كانت تراقب تلك السفن والقوارب الصغيرة المارة عبر النهر علي أمل أن تتناسي بعض من همومها الثقيلة ولكنها لم تستطع لتهاجمها الذكريات بضراوة وتنتصر عليها ..

……..قبل خمسة أعوام …

دلفت الي غرفتها وهي تركض مسرعة لتحمل حاسوبها المحمول وتفتحه لتفحص بريدها الالكتروني وتري ان كان هناك رد …لعل الله يستجيب دعائها هذه المرة ولكن كالعادة لا يوجد شئ ..
زفرت بيأس وهي تغلق حاسوبها بعنف وهي تتناول هاتفها لتجيب علي صديقتها التي قلقت من رحيلها المفاجئ من الجامعة ـ أو لم يعد مفاجئ فقد أعتادت عليه ـ
اجابت “آلاء” بهدوء حاولت افتعاله:
ـ ألو ..
ـ ساعتين عشان تردي يابنتي …وبعدين مش هتبطلي بقي تسيبي الجامعة وتمشي ومتكمليش المحاضرات وبرضه هتلاقيه نفس السبب صح ؟!
ـ سلمي بقولك أيه انا بجد مش ناقصة والله ونفسيتي تعبانة من غير حاجة ..
ـ نفسيتك تعبانة ليه ؟! عشان برضه لسه مفيش رد صح ؟! انا بجد مش فهماكي يا آلاء مهو أصل خلاص انتي عملتي الي عليكي وقدمتي علي المنحة المفروض تستني بقي لما ربنا يسهل ونشوف النتيجة ايه مش هتوقفي حياتك علي المنحة يعني اه انا عارفة كويس المنحة دي بالنسبالك ايه بس خلاص انتي عملتي الي عليكي والباقي علي ربنا …
صمتت قليلاً ثم أكملت :
-وبعدين بصراحة يعني ده يبقي كرم من ربنا لو مجاتلكيش

هدرت فيها “آلاء” بعصبية قائلة :
ـ سلمي متعصبنيش قولتلك مليون مرة قبل كده متقوليش الكلام ده قدامي المنحة ان شاء الله هتيجي انتي فاهمة …انتي متعرفيش المنحة دي بالنسبالي ايه ؟! متعرفيش تعبت قد أيه عشان اجيب المجموع ده وأوصل للدرجة دي عشان المنحة ؟! انتي عارفة كويس اني مش طايقة البلد دي ..مستقبلي مش فيها انا لو كملت هنا كل حاجة هتضيع كل تعبي هيروح هدر …
حاولت تهدئتها واقناعها بهدوء قائلة :
ـ يا حبيبتي انا عارفة كل ده والله وعارفة انتي تعبتي قد ايه وهي مهمة عندك ازاي بس باباكي ومامتك يا آلاء …هتسيبيهم لمين طيب لما تسافري وتسيبيهم واخوكي كمان مسافر مش بيجي غير كام يوم كل سنة ويرجع يسافر تاني هو ومراته وعياله وباباكي ومامتك كبروا في السن بقوا محتاجينك وانتي عارفة ده كويس يبقي ايه الأولي قوليلي

وبالطبع لعندها كالعادة عندما تصل لنقطة تشعر فيها أنها لن تستطيع الاجابة وتبرير موقفها تقرر غلق المحادثة

ـ سلمي خلاص بقي بقولك مش فايقة …سلام دلوقتي عشان بابا تلاقيه جه وماما بتجهز السفرة هروح اساعدها لو عايزة تعمليلي حاجة بجد أدعيلي

ـ ربنا يهديكي يا صاحبة عمري يارب

ـ يارب يلا سلام بقي

“آلاء” هي فتاة في الحادية والعشرين من عمرها…ليست بفاتنة الجمال ولا بالعادية فهي تمتلك قدر معقولاً من الجاذبية… ذات عينين سوداوتين كالليل الحالك وشعر مائل للون البني قليلاً تخفيه تحت حجابها… ليست بالبيضاء أو السمراء فهي في المنتصف بينهما ومتوسطة الطول… السمات المميزة لأغلب المصريات علي العموم… تدرس إدارة أعمال في كلية التجارة الانجليزية وقد اختارتها بإرادتها علي الرغم من سماح مجموعها أن تدخل كليات أعظم إلا أنها تحب هذا المجال وكل أحلامها هي أن تدرسه في ألمانيا… حادة الطباع قليلاً ولا ترضخ بسهولة إلا حينما يحقق ما تريده فسمتها المميزة هي العناد… من أسرة متوسطة ميسورة الحال فهي لم تطلب شيئاً في حدود المعقول من قبل إلا وحظيت به نظراً لحب والدها الكبير لها فهي فتاته الوحيدة ولها أخ أخر فقط يعيش في الخارج….
……………………..…………
خرجت من غرفتها متوجهة إلي المطبخ لتجد والدتها تحضر الطعام وترصه في الأطباق …
تلك المرأة ذات الخمسين ربيعاً التي ما ان تراها حتي تشعر بالأمان …بشوشة الوجه ترتاح عينيك لملامحها كثيراً وكانت شبيهة لأبنتهاوالتي أخذت منها جمالاً بسيطاً ليس بالمُلفت.

احتضنت والدتها ما إن دلفت الي المطبخ وتناولت منها الأطباق لتضعها علي مائدة الطعام وهي تسأل والدتها بمداعبة :
ـ أيه يا جوليت روميو جه ولا اتأخر النهاردة

نهرتها والدتها وهي تضربها بخفة علي كتفها قائلة :
ـ بس يالي متربتيش انتي روحي يلا حطي الأكل هو جه وبيصلي العصر وهيطلع أخلصي يلا عشان نجهز السفرة قبل ميخلص
ـ ايوه طبعا لحسن روميو يزعل من جوليت وأنت يا جميل متقدرش علي زعل الغالي

ـ اخلصي بقي وبلاش لماضة

ضحكت بخفة ثم خرجت وجهزت المائدة وخرج والدها بعدها بقليل وجلسوا جميعاً علي مائدة الطعام إلا انها كانت واجمة وقد لاحظ والدها ذلك فهي قطعة من روحه كيف لا يشعر بها

تحدث “عبد الحميد” موجهاً حديثه ل”آلاء” :

ـ مالك يا حبيبتي في ايه ؟! مش عوايدك دي ساكتة كده ومبترغيش وتصدعينا يعني

تحدثت بمرح مصطنع وهي تعلم جيداً انه قد كشفها :

ـ بقي أنا يا بودي بصدعكوا ؟! مكنتش أتوقع منك كده لا

ـ يا دي بودي بتاعتك دي يابت انتي شايفاني عيل قدامك ده أنا فاضلي سنتين واطلع معاش

ـ أه وانت طبعا هتموت وتطلع معاش عشان تتفرغ لجوليت صح
ضحكوا بشدة علي حديثها ولكنه أستوقفها قائلاً :

ـ مبهزرش بجد انتي في حاجة مضايقاكي انا عارف

رفعت راية الاستسلام أخيراً قائلة :

ـ بصراحة اه …موضوع المنحة… أتاخروا في الرد أوي وانا خايفة اني متقبلش …بابا انت عارف منحة المانيا دي بالنسبالي ايه ..انا فضلت عمري كله اذاكر واطلع من الاوائل عشان اقدر احقق حلمي اني أدرس ادارة اعمال في المانيا وبعد م اجيب المجموع ده في الثانوية واخد كل الكورسات دي انا هتدمر لو مقدرتش احقق حلمي يا بابا ..انت اكتر واحد عارف اني لو كملت هنا يبقي كل حاجة ضاعت يابابا عشان كده سعيت في موضوع سفر “أمير” كتير لحد م عرف يسافر أمريكا وهو الحمد لله واحد من أنجح المهندسين وبيشتغل في شركة كبيرة جداً ما شاء الله

أمتقع وجهه بشدة حينما ذكرت السفر …كذلك تلك الأم التي تخاف فراق ابيتها والتي أدمعت عينيها ولكن لم يلحظها أحد سواه فألقي لها نظرة مطمئنة كأنه يقول ” لا تخافي يا عزيزتي فصغيرتنا لن تفارقنا أبداً لن أسمح بذلك ” علي الرغم من مرور ثلاثين عام علي زواجهم الا ان ذلك الحب الذي زرعه الله في قلوبهم لا يذبل ولا يموت …

توقف حديث العيون وعاد هو محدث صغيرته العنيدة قائلاً :

ـ برضه السفر تاني يا بنتي ؟ انا مش عارف ايه المشكلة في هنا يعني م انتي بسم الله ما شاء الله دخلتي الكلية الي انتي عايزاها وان شاء الله بعد م تتخرجي هتلاقي شغل في احسن شركة في البلد ليه برضه مصممة علي السفر .. هرجع أقولك تاني برضه اخوكي غير ..اخوكي أولا مهندس والشغل هنا فعلاً كان هيظلمه جامد ..ثانياً هو مُطالب انه يفتح بيت وانه يكون حاجة لعياله في المستقبل المرتب الي هياخده هنا مش هيعمله حاجة انما انتي يا حبيبتي انا قصرت معاكي في حاجة ؟! كل طلباتك من الألف للياء مجابة وانا الحمد لله مدير بنك ومركزي كبير ومرتبي حلو ومش بيخلينا محتاجين حاجة ليه بقي تبعدي عننا وانتي عارفة اننا محتاجينلك مش كفاية أخوكي الي بنشوفه مرة في السنة؟!

ـ يابابا والله الموضوع مهم جداً بالنسبالي انا امنيتي اني اكمل دراسة واشتغل في المانيا ومتقلقش مش هعمل زيه واجي مرة في السنة لا هنزل اجازات كتير ان شاء الله واشوفكوا

كان يدري بكذبها جيداً لأن أمر الأجازات ذاك لن يكون بيدها ابداً ولكنه قرر غلق تلك المحادثة التي تؤلمه قائلاً :
ـ ربنا يقدم الي فيه الخير يا بنتي
……………………..………..
كانت تلك الليلة هي الليلة ذاتها التي تلقت فيها الخبر الصادم “لم يتم قبولها في المنحة ”
تألمت كثيراً وبكت أكثر ودخلت في اكتئاب حاد …توقفت عن الذهاب لجامعتها علي اعتقاد منها ان مستقبلها قد أصبح في طيات الضياع الأن ..
أصبح طعامها قليل للغاية حتي أن جسدها أصبح هزيل للغاية …
أصبحت شبه منعزلة عن الجميع لاتقبل الخروج للتنزه مع صديقاتها أو والديها هي فقط تريد التقوقع في غرفتها بمفردها …
غافلة عن ان رفضها ماهو سوي استجابة من الله لتلك الدعوة التي يدعيها والديها الصالحين ليل نهار منذ اخبرتهم بأمر رغبتها في السفر …

حتي أتي ذلك اليوم بعد عزلتها بأسبوعين …ذلك اليوم الذي انقلب كل شئ فيه رأساً علي عقب !

بسبب قلة طعامها علي مدار الأسبوعين الماضيين فقدت وعيها فهرع والدها بها الي المشفي القريب منهم وبالطبع قاموا بتعليق المحاليل لها لتعوض قلة طعامها وأجروا التحاليل اللازمة للتأكد من سلامتها لتظهر النتيجة الغير متوقعة والصادمة للجميع …

أنها مصابة بسرطان الدم في مرحلة مزمنة !!

تقييم المستخدمون: كن أول المصوتون !

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18الصفحة التالية
الوسوم

رأيك يهمنا

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock