قصص قصيرة

شطيرة لحم بقلم/أمل محمد منشاوي

قصة قصيرة بقلم | أمل محمد منشاوي
___________
واقفا على الرصيف ، كنبتة أنهكها الظمأ ، تدور عيناه في وجوه المارة ترجو منهم الالتفات ، فذاك الضمور الذي ألصق بطنه بظهره ليستحق الالتفات ، بروز ضلوع قفصه الصدري ، ارتعادة يديه الصغيرتين تصرخ في الجميع ..من يأتيني بطعام لأقاوم ؟ ، ثيابه الممزقة ، قدماه العاريتان تئنان فوق لهيب الارض الساخنة ، الشمس فوق الرؤوس تصب جام غضبها على الجميع ، يده ممدودة بعلبة مناديل ورقية وعرقه يتصبب فوق جبينه لا يجد حتى لثوبه طرفا يمسحه به ، يتمنى ان يبتاع منه احدهم فيكون سببا في إطعامه ، مر يومان لم يدخل جوفه سوى الماء ، وصرخات معدته يكاد يسمعها المارة .
مذ أن فر من بين براثن تلك المرأة اللعينة “عزيزة العايقة” وهو بلا مأوى ، تحدثه نفسه بالرجوع اليها ولكن … أليس الحال هو الحال !
جاء الى الدنيا لا يعلم له أبا ولم يضمه صدر ام ، كانت الطرقات احن عليه من كثير من البشر ، ليلتان يلتحف فيهما الظلام ويفترش ارصفة الطرقات ، لكنه رغم ذلك يشعر بالأمان ، وما الامان الا ان تكون سيد قرارك ، كان يعمل وينعم غيره بثمن شقاه ، أما الان فماله له وحده …ولكن ..أين هو ذاك المال !
حرضته عزيزة مرارا ان يسرق او يتسول ولكنه كان يشعر دائما انه من منبت طيب ، عزت عليه نفسه ان يكون سارقا واختار بيع المناديل في اشارات المرور .
اضاءت الاشارة باللون الاحمر فتوقف سيل السيارات وانطلق المشاة وذوي الاحتياجات ، تنقل بخفة بجسده النحيل يعرض بضاعته على اصحاب السيارات ولكن في الحقيقة كان يعرض نفسه لعل احدهم يرأف بحالة ، على بعد خطوات منه رأى طفلا في مثل سنه جالسا في المقعد الخلفي بسيارة فارهة ، يلتهم شطيرة محشوة باللحم الشهي ، صرخت امعاؤه وسال لعابه ، تعلقت عيناه بما في يد الصبي ، تذكر عندما وقف خلف باب زجاجي لأحد المطاعم ينظر بنهم لأصناف الطعام امام احد الزبائن ، رمقه بنظرة غاضبه ثم أشاح له بيده ان ابتعد ، جر أذيال جوعه وانصرف ، تكور في احد الازقة يقضم كسرة خبز كانت هي طعام يومه ، الان لا يجد حتى تلك الكسرة ، ولم يرق لجوعه قلب ، تنقل بصره بين الشطيرة والعد التنازلي ، تسعة .. ثمانية .. سبعة ..
حسم امره ولم يجد لنفسه سبيل الا ان يكون كما ارادت عزيزة العايقة
ستة .. خمسة .. اربعة
خفق قلبه سريعا كلما تقدم نحو الصبي ، ثلاثة ..اثنان ..واحد
قبض بيده على الشطيرة واختطفها وفر هاربا ، في تلك اللحظة انطلقت السيارات الواحدة تلو الاخرى ، ومن خلفه سمع صراخ الطفل وشتائم ابيه
لم ير ذاك الصبي الذي ركض بدراجته بسرعة عندما فتحت الاشارة ، صدمه بكل قوة فأطاح ما في يديه ، سقط على الارض جريحا ولكن عيناه لا زالتا متعلقتان بالشطيرة التي دهستها اطارات السيارات
كان يئن من الم الاصطدام ، وقلبه يئن من الخوف ، ومعدته تئن من الجوع ، والناس من حوله لا يرون فيه الا سارقا قد نال العقاب
تمت

 

تقييم المستخدمون: 4.9 ( 3 أصوات)

الوسوم

رأيك يهمنا

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock