قصص قصيرة

عزاء واجب بقلم أمل منشاوي

جميع الحقوق محفوظة

عزاء واجب بقلم أمل منشاوي

عزاء واجب
________________
“ذهبت مكرهة ،وأنا طيلة حياتى لا احب مثل هذه المجاملات التى لا أعرف كيف احسن التصرف فيها”
كذلك قلت وأنا أضع أمام صديقتى فنجانا من الشاى ثم تناولت الفنجان الاخر بعدما أذبت فيه ملعقتين من السكر ثم أكملت :”لا أحب تلك المناسبات التى يجتمع فيها جمع غفير من البشر ،وخاصة تلك المناسبات الحزينة ،فالحزن يأخذنى الى عالم موحش كئيب لا استطيع مغادرته بسهولة. ”
ارتشفت صديقتى من فنجانها رشفة تقيم بها مقدار السكر فيه وبعد ان اعجبتها وعبرت عن ذلك بإيماءة رضا …قالت ” ما تلك المناسبة التى كدرتك كل هذا التكدير”
قلت لها وانا اناولها قطعة من حلوى صنعتها لها خصيصا ،فأنا أعلم مدى حبها لتلك الحلوى خاصة تلك التى اصنعها بيدى :”عزاء واجب ، والد احدى زميلاتى وافته المنية وكان واجب عليا ان اذهب اليها”
قالت وقد بدا عليه التأثر :”إنا لله وإنا اليه راجعون ،ربنا يرحمه “ثم قالت برفق بالغ” وكيف كان حال زميلتك؟”
أجبتها انها كانت باكية ،حزينة ،احتل الصمت منها مكانا بالغا ،نظرتها ذاهلة،كأنها تحيا كابوسا تتمنى لو تستفيق منه”
اجابت صديقتى متأثرة “الهمها الله الصبر على بلواها ”
قلت :كانت هذه هى المرة الاولى التى ادخل فيها بيت زميلتى تلك ،وأول مرة التقى بأمها ،كانت سيدة كبيرة ارهقتها الحياة ورسم الزمان على وجهها اخاديد وشقوق معلنا للجميع انه قد اخذ منها أكثر مما اعطاها ،لكنه لم يمسح عنها ذلك الجمال المختبئ تحت أهداب التقوى والصلاح التى بدت فى نظرة عينيها ومسحة النور التى أطلت من وجهها
تركت تلك السيدة فى نفسى آثار ألم ذكرنى بحزن سكن قلبى منذ سنين
كانت صامتة ،وقد اسندت رأسها الى حائط خلفها واسدلت جفنيها الى بقعة تائهة فى أرض حزينة تبكى مكان جلوس المفقود او موضع سجوده ، ودمعة حائرة بين جفنيها تبدو وقد ضلت طريق الهروب فتعلقت بالأهداب تستجديها كى تسمح لها بالفرار ،وبين الحين والاخر تطلق تنهيدة حارة يلفح لهيبها وجهى وأنا جالسة أمامها اراقب حزنها وارتشف من المها فيتلوى قلبى حزنا عليها وعلى نفسى
كان الوقت شتاء والليلة باردة ..فهكذا دائما يفعل بى الشتاء …يأتينى بالألم ويغادر وقد اخذ منى ما لا اطيق فراقه ….تناثرت فى ارجاء البيت كله بقعا سوداء كغربان تجمعت فوق شجرة … ودوى كدوى النحل يصم اذنى فلا اكاد استبين من يتحدث وماذا يقول
نساء كثيرات متشحات بالسواد منهن من تبكى بحرقة ومنهن من تتباكى …مشهد يذكرنى دائما بالكآبة ويدخلنى فى ظلمة لا تنتهى وارتبط ذلك المشهد عندى بإذاعة القرآن الكريم
للا زلت اذكر جيدا تلك الآيات التى كانت تقرأ يومها “بسم الله الرحمن الرحيم ،ولما ضرب ابن مريم مثلا اذا قومك منه يصدون ،وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك الا جدلا بل هم قوم خصمون ” وكلما مررت على تلك الآيات استعدت المشهد كله أمام عينى
اثنا وعشرون عاما مروا وما زال الحدث محفورا فى قلبى كأنه قد حفر بالأمس ولم تزل دماؤه حارة لم تجف
وفى كل ليلة ممطرة اتذكرك ،وانظر فى مرآة روحى فأراكى هناك …ممدة على فراش الالم تصارعين الآم المخاض وانا جاثية بجوارك على ركبتى أحتضن يديك الدافئتين بين يدى وعيناى مصوبة الى السماء التى فتحت ابوابها لهطول الامطار وكأنها تبكى على
لسانى لا يفتر عن الدعاء بأن يسلمك الله من اجلى ومن اجل طفلتك المنتظرة ..ولكن قلبى يرتعد …وروحى واقفة امام جملتك التى قلتيها لى وتظاهرت بأنها هراء وانى لم اعرها انتباها ، ولكن فى الحقيقة كانت خنجرا غرسته فى قلبى دون ان تقصدى ..قلت لى “انا هموت
ومش هربى بنتى”
أكشف لك الغيب الى هذا الحد يا حبيبتى ..؟! لا زلت احتضن يديكى ..ولا زال لسانى يردد بلا هوادة ان يسلمك الله …ولا زال قلبى خائفا …
بدأ الصبح ينشر اشعته على الكون ولم ادر متى غفوت وانا جالسة بجوارك …لكننى استيقظت على يدك الحانية تمسح على شعرى وتطلبين منى ان اقوم وانام على سريرى فالأرض باردة
امتلأ البيت بالنساء ..جميعهن يضحكن ويتحاكين عن معاناتهن السابقة مع المخاض وآلامه ويتندرن عليكى عندما تتألمين ويقلن هذا الم سرعان ما ينسى وستعيدين الكرة ثانيا وثالثا وعاشرا …وعلى وجهك ترتسم ابتسامة يائسة تحكم غرس خنجر كلماتك فى صدرى
الكل يضحك …الا أنا …الكل ينتظر المولود الا أنا …الكل يتندر الا انا
وتأتيك الطلقة فتتألمين ولا اسمع منك الا كلمة ياااارب وعندما يزول وجعها تنكبين على يد أمى تقبلينها ودموعك تجرى على وجنتيك ولا ادرى اهى دموع الم ام دموع عرفان لما تحملته امى …
تقبلين يديها وتقولين “يا حبيبتى يا أمى انت تعبتى كدة فيا ”
وتمسح أمى على رأسك وهى تقول “علشان كدة انتوا غاليين يا حبيبتي”
مر اليوم .. وجاءت اول حفيدة ..وسجدت لله شاكرة على سلامتك ..وضحكنا ..وداعبناها ..واخترنا لها الاسم وقلت لها “انا خالتك يا بت والله لاهريكى ضرب ” وضحكتى وضحكنا معا ..
ومر يوم ثم يوم ثم يوم وفى كل يوم يمر يطمئن قلبى بعض الشيء وبدأت انسى كلمتك وبدأ جرحها الغائر فى قلبى يندمل
حتى جاء اليوم الخامس …عدت من الجامعة مبكرا …فقد كنت أشتاق اليكى كثيرا
دخلت مسرعة الى الغرفة التى تمكثين فيها مع طفلتك فلم اجدك ..سألت امى عليكى قالت انك بالحمام تأخذين حماما دافئا
جلست بجوار الطفلة اتطلع الى وجهها الملائكى وهى نائمة …فقد حرمتنى انا وانت النوم فى الليلة السابقة حتى الصباح وكنا نتبادلها انا وانت بين أيدينا عسى ان تكف عن البكاء ولكن دون جدوى
وها هى ذا نائمة ملؤ جفنيها لا تبالى بمن كان سهرانا بها
خرجت من الحمام وجئت …جلست امامك اتطلع الى وجهك المستدير المضيء ونظرتك التائهة وابتسامتك الخائفة
لم نتكلم فى هذا اليوم كثيرا ولكنى اكتفيت بالنظر اليك .. كنت اجمل من البدر ليلة تمامه
مر اليوم كباقى الايام …البيت ممتلئ بالزائرين من الاهل والاقارب …مللت من الصخب وتعبت من عمل المشروبات للضيوف فتسللت خلسة الى حجرتى ونمت بسرعة عجيبة من شدة التعب
وفى ساعة متأخرة ..استيقظت على هرج ومرج وصوت مخيف ينبئ ان امرا جلل قد وقع
خرجت من غرفتى فإذا بشخص غريب أمامى بيده حقيبة …يبدو انه طبيب ..وامى صوتها عالى تتكلم كلاما لا افهمه وأبى يصرخ فى زوج اختى ويقول “شيلها ونزلها العربية هنروح المستشفى” وسمعت صوتها يلهج بالشهادة
حملها زوجها ونزل مسرعا ولا زال لسانها ينطلق بالشهادة ولا يسكت كانت تقولها بسرعة وبلا توقف “أشهد ان لا اله الا الله وأشهد ان محمدا رسول الله”
خلا البيت الا منى انا واختى الصغرى والطفلة
وظللت حائرة بين الطفلة التى لا تكف عن الصراخ ….والشرفة اترقب ساعة وصولهم
لا أدرى ماذا حدث ولم أسأل ما الذى حدث …فما جدوى لسؤال لن يغير من الواقع شيئا
وفى لحظة ..دخلت من الشرفة لأجد البيت ممتلئا بأناس لم يكونوا موجودين …متى جاءوا ومن اخبرهم ..لا ادرى
كل ما اذكره وجه أمى الباكى
سقط قلبى فى قدمى وسألت بفم مرتعد ولسان متلعثم …”ميرفت فين “..رأيت زوجة خالى تضع ايشاربا اسودا على رأسى وهى تبكى وخالى يقول لى باكيا ” احتسبيها عند الله با امل “جثوت على الارض وانا اصرخ بكلمة واحدة ” لااااااا”ثم تذكرت كلمة قالتها هى لى يوما ما “انما الصبر عند الصدمة الاولى ” فأخذت اردد انا لله وانا اليه راجعون اللهم اجرنى فى مصيبتى واخلف لى خيرا منها….
وفى سيارة ميكروباص بيضاء متوجهة الى القرية …مقر العائلة……خيم الحزن والكأبة على راكبيها ..الظلام يكتم الانفاس والهدوء والسكون قد ملأ الطرقات …طفلة لم تكمل الاسبوع لا تكف عن الصراخ
ونهنهات أم كانت قبل ساعات تجهز لحفل سبوع أول حفيدة
السيارة تقطع الطريق بسرعة بالغة …وفى الامام تسير سيارة اسعاف تحمل بين جنباتها فؤادى مكفنا بالحزن والالم
ارسلت نظرة عتاب الى السماء …الم ادعوك يارب وقت نزول المطر ان تبقيها لى …الم يخبرنا حبيبك ان الدعاء وقت نزول المطر مجاب …أم اننى كنت ممن لا دعاء لهم يستجاب
وصلنا الى القرية بعد الثالثة فجرا …السكون يعم البيوت …صمت كصمت القبور …لا يقطعه سوى دوى السيارة ونهنهات مكتومة …وصراخ طفلة بين الحين والاخر ينطلق كلما قرصها الجوع ..وربما الشعور باليتم
ولأول مرة اشعر ان البيت الذى ضم اجمل ذكرياتنا معا ..موحشا..كئيبا …اتراه يبكيك هو ايضا .. فلطالما تراقصت جدرانه لفرحنا ..وحزنت لحزننا
وضعوك فى غرفة وحدك ..وجلست انا على بابها ممسكة يكتاب الله اتلمس فى آيته بعض الصبر والمواساه
فتحته على سورة “يس”… اوتذكرين حبيبتى …” يس لما قرأت له “هكذا كنت تقولين لى دائما …ومنذ ذلك وانا ان كانت لى حاجة اقرأها فيقض الله لى حاجتى
اوتذكرين ليلة ان أهمك امر والحت عليك حاجة فطلبت منى ان اقرأها وادعو الله ان يقض لك حاجتك وبعدما انتهيت اتتك البشرى …فقلت لى ” انت مجابة الدعوة “…
كل هذا جال بخاطرى فى تلك اللحظة …أأنا حقا مجابة الدعوة … أحقا يس لما قرأت له… ولكن بماذا ادعو …استعودين للحياة بعدما تذوقت لذة الذهاب الى الله..
فتحت المصحف ..” بسم الله الرحمن الرحيم ، يس،..”لم يستطع لسانى اكثر من ذلك …فخارت قواى .وروت دموعى صفحات كتاب الله …وآهة مكتومة تتمنى لو تصرخ فى وجه الكون لتخبر العالم مدى الالم الذى يمزقنى
دخلت عليك …رأيتك ممددة على السرير ..ملفوفة بغطاء محكم لم يبد منك الا وجهك …مربوط من تحت ذقنك الى اعلى رأسك برباط أبيض …لا زال وجهك مضيء كالبدر فى ليلة تمامه لكنه كان شاحبا …ذهبت عنه تلك الحمرة الى طالما خضبت وجنتيك …ارتسمت على وجهك ابتسامة رضى
شعرت ببرد شديد ..واخذت خلاياى ترتعد بلا توقف ..فشددت عليك الغطاء ظنا منى انك تشعرين بما اشعر به من برد شديد .ً…
صلينا الفجر وأخذتنى سنة من النوم استيقظت بعدها على صرخات جدتى وعمتى وقد ابلغهن ابى بما حدث فأتيتا تصرخان وامتلأ على اثرهما البيت بولولات نساء القرية …..وعلا صوت ميكروفون المسجد ينعيك للناس …أذكر ان من كان ينعيك بكى …لقد بكتك القرية كلها ..والقرى المجاورة ….لا …بل بكاك الكون بأسره يا حبيبتى …خيم الحزن على الدنيا كما خيم على قلبى لفراقك …
وها انا ذا …لا زلت انعى مصابى بك …فما انكسر فى قلبى لفراقك …لم يجبره الزمان حتى اليوم
رحمك الله يا حبيبتى …وأسكنك الفردوس الاعلى …وجمعنى الرحمن بك على خير تحت ظل عرشه الكريم …انه ولى ذلك والقادر عليه
تمت
بقلمي /أمل منشاوي

تقييم المستخدمون: 4.4 ( 2 أصوات)

الوسوم

رأيك يهمنا

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock