قصص قصيرة
أخر الأخبار

في المقابر |للكاتب حمادة توفيق

جميع الحقوق محفوظة

استيقظت هلعاً جزعاً من نومى، جعلت أبحث عنها فى كل ركن بالمنزل، لكن دون جدوى، فلما كلّت همتى وخارت قوتى ونال اليأس فى العثور عليها من عزيمتى، استلقيت مرهقاً مكدوداً كضنو سفر، وداعب النوم أجفانى فرُحتُ فى سباتٍ عميق !
وإذا بى أراها، رأيتها بين مقابر القرية متشحة بالسواد، شعرها مكشوف وعيناها تشتعلان ناراً، كانت ترمقنى بغضب، وفى عينيها شلالٌ من الأسئلة الحائرة ..
دنوت منها، هالنى منظرها، انقبض قلبى بشدة، لكنى تجشمت قدر المستطاع، وأخذت أدنو وأدنو حتى صرت أمامها مباشرة، قاب قوسين منها أو أدنى، قلت لها :
– حبيبتى، ماذا تفعلين فى المقابر فى هذا الظلام الدامس، هلمّ الآن إلى المنزل !
لم تجب، ضحكت ضحكة عالية قطعت سكون الليل من حولنا، وزرعت داخلى فزعاً لا يُطاق وهلعاً لا يُحتمل !
لم أتمالك نفسى …
– لا ، ليست هذه حبيبتى !
استدرت وقررت الانصراف، فوجئت بها تقف أمامى، أصابنى الوجوم وتمكن منى الخوف، تراجعت، قالت :
– لن تهرب منى …
قلت : أنتِ مخيفة، لستِ حبيبتى التى أعرفها، لماذا جئتِ إلى هنا ونحن لا نزال فى شهر العسل !
قالت : المقابر بيتى، هنا نشأت، وعشت أحلى أيامى ..
زاد الرعب داخلى، وبلغ بى الخوف مداه ومنتهاه !
قلت : ماذا تقولين ؟ أنتِ كنتِ تعيشين كما أعيش ويعيش الآخرون، هناك يا حبيبتى، حيث والدك وأمك وأخواتك الثلاث !
ضحكت بشدة وقالت :
– أنا جنية، عشقتك وتعلق بك قلبى، فاحتلتُ لتكون لى، ليس لى عائلة بشرية، آن الآوان أن تعرف الحقيقة، أنا جنية !
ثم انطلقت فى ضحك هستيرى …
أفقت من نومى فجأة، وجدتها تجلس على طرف السرير لا يظهرُ منها إلا ظهرها …
– أحلام ؟
استدارت، فإذا عيناها تسيلان على وجهها دماً خالصاً، وإذا شفتاها سوداوان، وأذناها طويلتان كأنهما أذنا عنزة !
صرخت من بشاعة المنظر، فانطلقت أعدو كالسهم، ذهبت إلى منزل عائلتى فى أطراف القرية، دخلت سريعاً، فإذا أمى جالسة تجهز الغداء لأبى الحبيب، قلت :
– أرأيتِ يا أمى ؟ زوجتى الحسناء جنية …..
سمعت ضحكة زوجتى من وراء ستار، خرجت من داخل المطبخ تحمل فى يدها طبقاً فارغاً، قالت :
– وماذا أيضا ؟ هل وصل بك الأمر إلى هذا الحد ؟
قلت : أنتِ هنا ؟ لقد تركتك للتو فى منزلنا، كيف سبقتينى إلى هنا ؟
صاحت الأم :
– ليس لك ولا لزوجتك منزل آخر، أنت وزوجتك تعيشان معنا، أفق من غفلتك، وعالج نفسك قبل فوات الأوان، أصبحت لا تُطاق !
ثم قامت فدخلت غير بعيد، وقفت أضرب كفا بكف، وجلست يتلقفنى المقعد ..
قلت : سأجن، سأجن بلا شك !
ضحكت زوجتى ضحكتها المرعبة، نظرت فإذا عيناها تسيلان على وجهها دماً خالصاً، وإذا شفتاها سوداوان، وأذناها كأنهما أذنا عنزة …
#بقلمى
#قصة_قصيرة

تقييم المستخدمون: 5 ( 4 أصوات)

الوسوم

رأيك يهمنا

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock