قصص قصيرة

مُتلازمة الحب بقلـم : ميـرا ياسـر

مُتـلازمـة الحب ~ بقلـم : ميـرا ياسـر – ليبيا

هـنا بدأ الأمر , حين فغر فاه غيـر مصدقاً لما أقـول .. صرت أشدد عليـه بيدي وذراعي وأقول له “بلا , صدق .. سيرزقنا الله بطفل بعد 9 سنـوات حزيـنة ومُتعبـة أمضيناها من طبيب لأخر .. بعد 9 سنوات لم يكتب لنا الله أن نرزق بأطفال , اليـوم ها أنا ذا , أزف لـك خبر حملي يا زوجي العزيـز .. سمع الله لدعائنا ورجائنا , ولم يخيـب أملنا به ”

احتضنني وظل يردد عبارات الشكر والحمد , صلينا سوياً صلاة الشكر لله عز وجـل …. مرت شهور حمـلي الأولى بسلام ونعيم .. وفرح وراحة , وحـب وحيـاة , في شهري الخامـس , ذهبت إلى الطبيب الخـاص بي لموعد الكشـف الروتـيني .. حيـن تسربت الكلمـات بتلعثم من بين شفتــاه .. لتُنبِئـني بمـا كنـت لا أحمد عُقبـاه … ” سيـعاني طفلك من بعـض المشاكل الصحيـة , سيعاني طفلـك من مُتلازمـة داون ” … إستقبلت كلمـاته بصمت تـام ..صمت لا أدرى هل كان نتيـجة الصـدمة , أم نتيجة خـوفي على طفـلي الصغير… طفلي الذي رجوته من الله 9 سنـوات حتى رزقني بـه ….طفلٍ لم أنله إلا بشق الأنفس , أما عن زوجي فظل يحدق بي ، علـمت أنه ما ينتظرني لم يكن أسـهل … حيـن وصلنا المنزل لم أستطع منع عبـراتي من الهطول , دموع ساخنة بحجم ألمي الذي شعرت بـه , إنتظرت أن يأتي زوجي وينهال علي بعبارات المواساة , إنتـظرته حتى يـأتي ويشـاركني حزني كما باقي الأزواج , يتـشاركون لحظات حزنـهم قبل فرحهم .. وألمهم وضعفهم قبـل قوتهم وجبـروتهم , لا أدري كم مضى من الساعات على غيابه من المنزل , وعلى جلوسي على هذا النحو حتى رأيت أخر خيـوط الشمـس تنسحب على إستحيـاء , تناولت هاتفي لأتصل به , ما إن رن الخط حتى أتاني بريده الصـوتي , أغلقت الهاتف في يأس وحزن .. ترى ماهو الأهم من زوجتك الحزينة والتي في أمس الحاجة إليك في الوقت الراهن ؟

ظللت أعاود الإتصال بدون أي فائدة , حتى أتاني صوت الباب يُغلق فنهضت بلهفة لأعاتبه على تركي في هذه اللحظات الثقيلة , ولكنني فوجئـت بملامحه الجامدة والخالية من جميع المشاعر الذي من المفترض أن يشعر بها كأب يمر بنفس ما أمر به الآن , وبصوت أجهش قال ” أريد الطلاق الآن ” , ظللت جامدة أنتظر أن يقول لي أنا امزح ويمضي في تقبيل جبيني كما أعتاد , ولكن يبدو أنه لا شئ مما ظننته سيحدث ؟ تسارعت نبضات قلبي وأجبته ” لماذا ؟ ” فقال ببساطة ” لا يمكنني أن أرزق بطفل معاق بعد إنتظارٍ دام لـ9 سنوات ” حجم الدهشـة الذي أعتراني لم يترك لي مجالاً لأنبس ببنت شفة .

قالها ومضى في سبيله قبل أن يرمي بأخر كلماته ” ستصلك ورقة الطلاق في الصباح ، أما عن النفقة ستأتي في موعدها كل شهر هي وباقي حقوقك “… وتركني وذهب ، تركني غارقة في بركة أحزاني وإندهاشي مما سمعته للتو ، أليس هوا طفلك كما هو طفلي ؟ أليس هذا ما كنا نرجوه سنوات عديدة من الله حتى أنعم علينا به ! هل هوا ذنبي أن الله أحبني فقرر أن يبتليني ليختبر صبري ! … ألم يكن الحرمان من أجمل نعم الحياة تجعلك راضيـا وشاكراً أن رزقنا الله بمن يملي علينا كئـابة ديارنا وليبدد علينا وحشة وحدتنا , بعد كل هذا ستترك صغيرك ليكبر من دون أب ؟!! لمجرد أنه سيولد ببعض الأمراض المترابطة و شكله المختلف عن باقي الأطفال الذي أُطلق عليهم بمتلازمة دوان ؟

وضعت يدي على بطني الذي بدأت في التكور وهمست قائـلة ” أنا لن أتركك يا صغيري ، أعدك “.

مرت باقي شهور حملي وإنفصلنا أنا و زوجي وتنازلت عن جميع حقوقي ولكنني لم أتنازل عن حقوق طفلي , فسيظل أباه شاء أم أبى , سمعت بعد شهرين من طلاقنا أنه تزوج فتاة تصغره ب 12 عاماً لترزقه بالبنين والبنات كما يتمنى .

في يوم كنت أتمشى بـه في شهري السابع كما أوصاني طبيبي لتسهيل عملية الولادة , وعندما عدت للمنزل انتابتني الآلام المفاجئة وشعرت بأحشـائي تتمزق ألماً ، شعرت بأنها لحظة الحسم ، يبدوا أن صغيري كان متشـوقاً للمجيء حتى أنه لا يستطيع إنهاء فترة حمله …. اتصلت بسيارة إسعاف التي أخذتني للمستشفى …. لم يكن بالأمر السهل ، وفاق الصعوبة التي توقعتها فقد رأيت الموت على بعد شعرة مني ، لم تتبدد أوجاعي حتى سمعت أصوات صراخه ليعلن طفلي الشقي عن وصوله للحياة ، لُف بالملاءة وتناولته بعين ضاحكة وأخرى باكية
. طبعت على جبينه قبلة قائلة : “مرحباَ بك أيها الشقي ” أسميـتك أحمداً , حتى أحمد الله ليلاً ونهاراً لأنه رزقني بك .

ظللت أتأمل قسمـات وجهه البريئـة والمميزة ولم أستطع منع دموعي من أن تغزو وجنتاي , تسارعت نبضات قلبي بشكل جنوني وأنا أحتضن صغيري , أستغرقت 9 سنوات لكي أحمل به , و7 أشهر كي يكتمل نموه .. وجزءٍ من الثانية حتى أقع في عشقه , أصيب صغيري بمتلازمة داون , بينما أصبت أنا بمتلازمة الحب .

كبر صغيري وأتم عامه الثالث ، واحتفلت به أنا وبعض أصدقائي ، أصبح دواء قلبي وشفاء روحي … ضحكته تبدد على أحزاني , وتهون علي الحياة ومشاقها , كم أستلذ كلمة “أمي” التي تخرج من بين شفتيه بشكل متلعثم …. قال لي الأطباء أنه مواليد هذه المتلازمة لا يعيشون طويلاً ومع هذا عاهدت نفسي أن أمنحه كل الحب الذي بقلبي , وإملاءه به … ظللت اتردد على العديد من الأطباء , لأطمئـن على قلبـه الصغير الذي خُلق بثقب لعين , مع العديد من الأدوية .. أصبحنا أنا وطفلي نتدبر أمرنا جيداً.. في يوم عدت إلى المنزل حاملتاَ أميري النائم على كتفي …

وجدت صديقتي و جـارتي فألقيت تحياتي , وداعبت صغيري وقالت لي ” هل سمعتي الأخبـار ؟ ” … فقلت “لا” , منذ أن رزقت بهذا الأمير لم تعد تهمني أي أخبار في هذا العالم غيره … قالت لي ” لقد ماتت زوجة طليقك في حادث مؤلم وهي حبلى لم تتجاوز شهرها السادس , يا إلهي كم حزنت عليها … ولكن تعلمين ؟ تعجبني عدالة القدر حين تدور ! لقد تخلى عنك في محنتك فابتلاه الله بخسارة فادحة ” ضحكت عليها وعلى تفكيرها , لم أكن أشعر بالشماتة , ولكنني شعرت بالشفقة .. شعرت بالأسى من أجله , فهو لم يستطع تذوق شعور الأبوة قط .. أما أنا فقد أهداني أجمل هديـة يمكن أن تحصل عليها أي أنثى …

منحني هدية الأمومة لأجمل صغير في الدنيا … في الواقع , حين أعزيه … يجب علي شكره على هذه الهدية .

النهايــــة ….

تـأليف : ميـرا ياسر

تقييم المستخدمون: 4.11 ( 27 أصوات)

الوسوم

تعليق واحد

رأيك يهمنا

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock